الثلاثاء، 21 أبريل، 2009


انه شاعر جدير بالقراءة وجدير بالاستقرار في حافظة الجمهور القارئ

بقلم: محمد المكي ابراهيم*

عن هذا الديوان (أُغنيات اللَّيْلْ):
تبدأ أزمة القصيدة حين يعتادها جمهورها حتى ليسبق شاعرها إلى معانيها وقوافيها إذ يكون ذلك الجمهور قد سمعها من مئات الشعراء وحفظها على ظهر ضجره وسأمه وملالته. ذلك ما حدث للقصيدة التراثية بعد خمسة عشر قرناً من السيطرة الكاملة والرواج وذلك نفسه ما حدث للقصيدة التفعيلية بعد خمسين عاماً (أو أكثر) من ظهورها الأول وهو نفسه ما أخذ يحدث لقصيدة النثر بعد خمسة وعشرين عاماً من بداياتها. وليس صدفة ذلك التسارع في معدلات الإملال ففي طبيعة هذا العصر أن ينتقل أهله من صرعة إلى صرعة ومن جنس فني إلى جنس جديد. ولاننسى أنه عصر المرئي والمسموع حيث يستطيع الموقع الإلكتروني أو القناة التلفزيونية نقل أجمل الصور والأصوات إلى المشاهدين في بيوتهم دون أن يتكلفوا شراء الكتاب أو عناء القراءة.
دارت بذهني بعض تلك الافكار وأنا أتصفح النسخة الاولى لهذا الديوان وأقرأ بعض قصائده منشورة في الصحف والمواقع الإلكترونية ولا أقول أنه أعطاني انطباعاً بانتمائه إلى القصيدة التفعيلية المأزومة بقدرما أعطاني أملاً في تجاوز تلك الأزمة والرسو على بر أمان. ففي كثير من قصائده استطاع عبد الاله زمراوي أن يتخطى القصيدة التفعيلية التقليدية بصور ومضامين أكثر خيالاً وفرادة وبتنويعات موسيقية أكثر طرباً وإبهاراً. وهنالك يكمن الأمل في بقائية القصيدة التفعيلية وتخطي أزمتها على أيدي جيل كامل من المبدعين الجدد يعيدون إليها شبابها وجدارتها بالحياة.
ويتمتع الشاعر عبد الاله زمراوي بعدد من المزايا يبدو أنها ستحقق لتجريته النجاح وعلى رأس تلك المزايا الوتر الوطني الرنان الذي ينقر عليه في معظم قصائد الديوان وهو وتر شديد الفعالية إذ ينذر بالكارثة المقبلة التي ستحيق بالبلاد والعباد وتطيح بكل الأحلام بصورة تستفز الشعور الوطني للتحفز والاستنفار فعبد الاله شاعر نوبي أي أنه يأتي من اثنية مهضومة الحقوق ولكنها على درجة عالية من الوعي والحساسية والطبيعي والحال كذلك أن تسعى إلى خلاصها الخاص بعيداً عن بقية الوطن ولكن الشاعر يظل يربط قضية النوبة بمجموع المهمشين والغلابة في مختلف أنحاء البلاد وله في ذلك دعوى متفردة، ففي حقب تاريخية ماضية كان السودان هو بلاد النوبة وكانت ممالك النوبة وحضارتها هي وجه السودان القديم معبراً عنه في أسفار العهد القديم وفي كتابات المؤلفين العرب القدماء وفي أقاصيص الرحالة والمكتشفين الأوروبيين وذلك ما يخلق وحدة واشجة بين القراء وتلك الآلام والأحلام التي يبكيها الشاعر كلما عنونها باسم تهارقا وشبتاكا وكرمة ودنقلة القديمة فهنالك يغدو معبراً عن مجموعنا المعاصر الذي– في ظلام القهر الدكتاتوري- لم يعد يجد صوته ولا يجد من يعبر عنه.

وهنا يلتمع الشاعر في وهج معزوفته الوطنية في زمن انصرفت فيه عقائر الشعراء عن التغني بوطن اغترب عن ذاته وعن محبيه وضاعت قسماته الأصلية تحت ستارة مسرحية وانتماءات لاوجود لها في الواقع السياسي والفني للعالم المعاصر. وهكذا يغدو هذا الشاعر صوت الوطنية في زمن الصمت وشاعر الغضب النبيل في غيبة الوطن الممتدة.
إنه شاعر جدير بالقراءة وجدير بالاستقرار في حافظة الجمهور القاريء.
*شاعر وأديب سوداني