الخميس، 19 يوليو، 2012





الخميس، 12 مايو، 2011

بنفسجةُ الغَرامْ


يَا هَمْسَهَا الْمُنْسَابَ
فِي صَمْتي
شَكَوْتُكَ إتَّئِدْ
هَذَا الْهَوَى سِرٌّ
تَعَلَّقَ عِنْدَ
أسْتَارِ الْغَمَامْ!

قَدْ قُلْتُ لِلَّيْلِ الْمُمَدَّدِ
في دَمِي
"يَا لَيْلُ كُنْ"
بَانَتْ سَفَائنُ عِشْقِهَا
تَختالُ في بحرِ الهُيامْْ!

يَا هَمْسَهَا الرَّقْرَاقَ
يَسْري في
ثَنيَّاتِ الْحَريرِ
فَيَنْثَني خَصْرُ الْكَلامْ!

مَا كُنْتُ أُدْرِكُ
أنَّ هَمْسَكِ
يُشْعِلُ الْمَخْبُوءَ
في صَمْتي
فَيَرْتَبِكُ الْكَلامْ!

لَمْ أحْتَمِلْ
حَتَّى أبُوحَ
عَلَى الْمَلأ
سِرَّ الْهَوَى،
فَيَدُ الْحَريرِ
عَلَى يَدِي
وَالْبَحْرُ مِنْ خَلْفي،
وأسْرَابُ الْحَمَامْ!

رَبّتَتْ عَلَى
خَدِّ الأزاهرِ
فارْتَوَى خَدِّي،
رَشَفْتُ الْعِشْقَ
مِنْ وُدٍّي
فأسْكَرَني الْمُدَامْ!

ذَرَفَتْ صَبَابَاتِ الْهَوَى
في أدْمُعٍ
فَثَمِلَتُ حَتَّى
جَفَّتِ الأنْهَارُ
وَانْتَحَرَ الْغَمَامْ!

يَا لَيْلَهَا اشْهَدْ
بَأنِّي قَدْ
مَزَجْتُ عُطُورَهَا
وَخلقْتُ مِنْ عِطري
بَنَفْسجَةَ الْغَرَامْ!

يَا لَيْلَهَا اشْهَدْ
بَأنِّي قَدْ
نَزَعْتُ خِمَارَهَا
فَرَأيْتُ نُورَ الْبَدْرِ
متَّكِئًا عَلى
وَردِ الظلامْ!

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إنِّي
قَدْ عَشِقْتُ صَبيَّةً
وَصَبَابَتي تُفْضِي
إلَى الْمَوْتِ الزُّؤَامْ!

سُبْحَانَكَ الْلَّهُمَّ إنِّي
قَدْ خَتَمْتُ رِسَالَتي
وَهَجَرْتُ أحْبَابي
وَصُمتُ عَنِ الْكَلامْ!

الأربعاء، 11 مايو، 2011

الشاعر زمراوي والملحن الخليجي خليفة جمعان السويدي يجتمعان في أوبريت ضخم عن زهور ونباتات دولة قطر

قدم الشاعر السوداني لدولة قطر اوبريتا يحتوي على 12 لوحة غنائية تمّ تلحينها بواسطة الملحن الخليجي الكبير خليفة جمعان السويدي وبمشاركة اوركسترا إذاعة قطر. الجدير بالذكر بأن هذا الأوبريت قد تم عرضه في مسرح قطر العائم بالدوحة وقد تغني به ست فنانين وفنانات من الخليج العربي بالإضافة للفنان السوداني عادل التيجاني.


نماذج من نصوص أوبريت لكل ربيعٍ زهرة للعام 2011


السَلم

في السَلمِ الآسرِ ألحَاني
ونشيدي، عَبَقي
وجِناني
للزهرِ شَكَتني أحزاني
فرماني الطلحُ
بريحانِ
يا شغَفَ القلب لرؤيتِه
يا روحَ الروح
وعنواني
اليومَ مررتُ بدوحتِنا
فتبسَّمَ "سلَمٌ"
حيَّاني
يا روعَ الغابِ بدوحتِنا
يا نبعَ الروضِ
لأشجاني

زهرةُ القَطف

هاتِّي النَدى
يا زهرةَ القَطفِ
ويا عِطرَ الفصولْ
انثري في الدربِ وَرداً
ثمَّ ريحاناً
على سفحِ الحُقولْ
روعةُ السحرِ
على أغصَانِهَا
تَخلُبُ الُّلبَ
وبلْ تَسبي العُقُول
باقةُ الألوان
ما أروَعَها
زهرةُ الأحلامِ
لا تَهوَى الذُبُولْ
*** *** ***

السدرة

يا سدرةَ زَهوي ورجائي
أحيَاكِ اللهُ و حيَّاكِ
كمْ بتُّ أُردِدُ ذِكراكِ
في النومِ أُسطِّر مغنَاكِ
قد طرَبَ الفجر للُقياكِ
والليلُ ترنَّم غنَّاكِ
يا سدرةَ دوحتَنا جودي
قد جادَ الغيثُ لسُقيَاكِ
حيّوا يا قومُ
وحيَّوهَا
غنّوا باللهِ أُحيلاكِ!

*** *** ***

عين القط

يا عينَ القطِ مُعلِّلتي
الزرقةُ وجهُ مُحياَّكِ!
كَمْ كنتُ أردِدُ مَغنَاكِ
وأُمني النفسَ بسُقيَاكِ
وغرَستُكِ ورداً في روضي
وأَعِدتُ الروحَ بلُقياكِ
يا عينَ القطِ بدوحَتِنا
القلبُ يتوقُ لرؤياكِ

*** *** ***

القرم

القرمُ القرمُ على الشَاطي
أرنوُ كالغابِ على الوادي!
الطيرُ تَنامُ على سُرُري
والبلبلُ غرَّد كالشادي
الفَجرُ يُسطِّرُ ميلادي
والبحرُ يُرددُ إنشادي!
كم بتُ أحنُ لزنبقةٍ
تَجري كالطِفلِ بأعوَادي!

*** *** ***

السَمَر

سَمرٌ سَمرْ
والقلبُ يَحفَلُ
من بهاءِ النظرةِ الأولي
ويَحتفِلُ القَمرْ
سمرٌ على ليلي الطويلِ
وسَاحِري
أنتِ الأبَرْ
سمرٌ وحُبُّكِ في دمي
سَمرٌ وإسمُكِ في فمي
يا واهبَ الحُسنَ الأغَرْ
قطرٌ حلَلتُ بدوحِها،
ووجدتُ فيها مُنيتي
وَهَجرتُ وَعثاءَ السفَرْ
*** *** ***


الثلاثاء، 10 مايو، 2011

لقاء جريدة الإهرام المصرية بالشاعر عبد الإله زمراوي أجرت اللقاء أسماء الحسيني

لقاء صحفي بجريدة الإهرام المصرية مع الشاعر عبدالإله زمراوي
الشاعر السوداني الكبير عبدالإله زمراوي صوت الوطن وشاعر الغضب النبيل‏:‏
وهبنا الله وطنا عظيما وشعبا محبا فريدا ولكن الساسة تكالبوا عليه
تمزيقا وتفتيتا حتي انشطر من الآلام
أجرت الحوار‏:‏ أسماء الحسيني

الشاعر عبدالإله زمراوي شاعر وقانوني سوداني وقاض سابق‏.‏ هاجر للولايات المتحدة في يناير‏1990,‏ ويستقر الآن بمهجره بشلالات نياجرا بكندا‏.‏ صدرت له حتي الآن أربعة دواوين شعري‏:‏ سيوف الجفون الصادر عن مطابع الجزيرة بودمدني‏(1986),وصهوة العمر الشقي الصادر عن دار عزة‏/‏ مدبولي‏(2007),‏ وأغنيات الليل الصادر عن دار بعل للطباعة والنشر بدمشق‏(2008),‏ وطبل الهوي الصادر عن دار بعل للطباعة والنشر بدمشق‏(‏ يناير‏2010),‏ وتقوم الآن دار شرقيات بالقاهرة بإعادة طباعة ديوان أغنيات الليل طبعة ثانية بالتزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب‏.‏

قدم له الشاعر السوداني الكبير محمد المكي إبراهيم في ثلاثة دواوين شعرية‏,‏ واصفا إياه بالشاعر الجدير بالقراءة‏,‏ والجدير بالاستقرار في حافظة الجمهور القارئ‏,‏ ويقول عنه أيضا‏:‏ هكذا يغدو هذا الشاعر صوت الوطنية في زمن الصمت‏,‏ وشاعر الغضب النبيل في غيبة الوطن الممتدة‏.‏ إنه شاعر جدير بالقراءة‏,‏ وجدير بالاستقرار في حافظة الجمهور القارئ‏.‏

وقال عنه والسودان في مفترق الطرق‏:‏ علي أنغام زمراوي العذبة نشد الحزام علي جراحنا وأحلامنا‏,‏ فإن تكن الغلبة للأولي فإن ألحانه الجنائزية تصاحبنا ساعة الرحيل وتذهب عنا وحشتها الباهظة‏,‏ وإن تكن الأخري فإن أنغامه ستكون نشيد انتصارنا‏,‏ والمارش البروسي الذي نمضي علي إيقاعه إلي سماء الحرية اللا محدود‏.‏

أما الشاعر العراقي صباح الفحام فقد وصف حاله وهو يقرأ عبدالإله زمراوي قائلا‏:‏
رحت أغوص في أعماق المعاني وأبعادها وشعوري في تلك الحالة أن روحي حلقت مع الفكر في سماء الإبداع الرحب الذي زانته كواكب الكبرياء والتحدي التي اخترقت أشعتها ظلمات كل البدن‏!.‏
هذا ما قاله عنه شاعران في قامة محمد المكي إبراهيم‏,‏ وصباح الفحام‏.

فماذا يقول هو عن تجربته الشعرية والإنسانية في ثنايا هذا اللقاء؟
تجربتي الشعرية هي بعمر الوعي الباكر الذي اكتسبته منذ الطفولة‏,‏ فقد كنت أحس آنذاك بأن هنالك ثمة شيء في الأفق البعيد أراه ولا أعرف كنهه‏,‏ وبقي هذا الشيء يزاورني من وقت لآخر‏,‏ في أحلامي أو في يقظتي‏,‏ ثم تبينت عند اكتمال نضج العاطفة عندي أن ذلك الشيء كان ما يسمي بالشعر‏.‏

في البدء تهيبت هذا الشيء الغامض وكأنني رسول ما تتنزل عليه نصوص غامضة‏!‏ وآثرت ألا أنشر ما نظمته من تلك الأشعار إلا بعد توهجها ونضجها‏.‏ كنت أعمل قاضيا في ذلك الوقت‏,‏ وأتذكر أنني سعيت حثيثا لمقابلة سعادة السيد رئيس قضاء السودان‏(‏ مولانا محمد ميرغني مبروك‏)‏ مستفسرا عن أي أثر سالب علي مستقبلي المهني إن غامرت وطبعت ديوانا شعريا‏,‏ وقد فوجئت عندما استحثني وشجعني علي النشر بعد أن قرأت بين يديه أشعاري من ديواني الأول سيوف الجفون‏,‏ وقد ذكرني بالشاعر العظيم والقاضي السابق والسياسي الحصيف محمد أحمد المحجوب رئيس وزراء السودان الأسبق‏,‏ الذي كان ينظم درر الشعر وهو جالس في منصة القضاء في السودان‏.‏ كان ذلك الديوان المتواضع بداياتي الشعرية‏.‏

ثم تفرقت بيني وبين الشعر السبل عندما تم فصلي بواسطة سلطة الإقاذ في بداياتي فصلا تعسفيا فهاجرت مع آلاف السودانيين للخارج وتخيرت من بين الناس أمريكا الشمالي وقلت لنفسي من هنا أدخل منفاي‏,‏ ومنذ عام‏1990‏ وحتي عام‏2007‏ نسيت أو تناسيت مسألة الشعر تماما وأنا ألهث في الأرض الجديدة حيث عملت في مكتب للمحاماة في العاصمة واشنطن‏,‏ وفي عام‏2007‏ ودونما مقدمات طفح كيل الشعر بركانا‏,‏ وغدت حياتي مسكونة به وفيه‏.‏ كنت أنظم في تلك الفترة المجنونة ثلاث قصائد في اليوم ولم يتوقف هذا البركان حتي الآن وإن خفت حدته وغدوت خائفا بعض الشيء منه‏.‏

في عام‏2007‏ دفعت بكتابي الثاني للمطبعة صهوة العمر الشقي ثم قبل أن يقرأه الناس دفعت بالثالث أغنيات الليل الذي تمت مصادرته من قبل دولتين عربيتين بحجة احتوائه علي إيحاءات سياسية ودينية‏,‏ الشيء الذي أحزنني كثيرا‏,‏ وكذلك تم حجب كتابي الأخير طبل الهوي الصادر في‏2010‏ في نفس هاتين الدولتين‏,‏ وقد تفطنت في غمرة أحزاني بأن الجمهور صار يتابعني والتف من حولي محبين كثر يشدون من أزري واقترحوا أن أستخدم النشر الإلكتروني كوسيلة للوصول للقارئ‏,‏ وهكذا بدأ الناس يقرأون ما أكتبه من أشعار‏, آثرت أن أورد كل هذا لأبين لقرائكم الكرام أن تجربتي الشعرية قد بدأت مبكرا مرحلة الكمون‏,‏ ثم فاض الكيل فنشرت متأخرا‏,‏ وفي انهاية والبداية أترك الحكم للجمهور القارئ‏,‏ وللنقاد في تقييم تجربتي المتواشعة‏.‏

‏*‏ حدثنا عن نشأتك وطفولتك الباكرة‏.‏
شكرا سيدتي علي هذا السؤال‏..‏ فقد نشأت في بيئة يغلب عليها التواد والتراحم في قرية تسمي كرمة علي الضفة الشرقية للنيل وكرمة هذه هي عاصمة الكوشيين الذين حكموا السودان ومصر الملك النوبي تهارقا‏,‏ وهي أولي العواصم الحضرية والإدارية في العالم‏,‏ والبيئة في كرمة هناك تأخذك بالسحر الكامل‏,‏ فمن مشاهدة الآثار النوبية كالدفوفة إلي مسامرة أشجار النخيل إلي مراقبة النمط الاجتاعي البسيط بدهشة تامة حيث التداخل السلس بين النوبيين والمصريين الذين يقطنون تقك القرية منذ آلاف السنين‏,‏ لا فرق بينهم البتة في التقاليد والعادات‏, وبين هذا وذاك فقد كنت مولعا أيضا بزيارة قباب الأولياء الأجداد‏,‏ بدءا من قبة جدي الشيخ زمراوي الولي‏,‏ وانتهاء بحضور حلقات الذكر‏,‏ وليالي المولد النبوي الشريف التي كان يحييها أهلنا من صعيد مصر‏.‏ كانت الحياة تسير هينة سهلة‏,‏ وكان الناس محبون وعطوفون وحييون ويكادون أن يصبحوا ملائكة من فرط الطيبة‏.‏

‏ *‏ جئت إلي اللغة العربية من بعيد أستاذ زمراوي‏,‏ إذ تعلمتها كسائر أبناء منطقتك في المدرسة‏,‏ ولم تكن لك لغة أم كما يقول الفرنجة‏,‏ من أين لك كل هذه الجزالة والصفاحة والجدة في اللغة التي تفاجأ بها من يقرؤك حتي ليخيل إليه أنك تبتدع اللغة ابتداعا؟
شكرا علي حالوة وطلاوة السؤال‏..‏ سئلت هذا السؤال كثيرا حيث إنني نوبي قح‏,‏ لنا لغتنا القديمة‏,‏ وهي اللغة النوبية‏,‏ وهي مكتوبة الآن لمن أراد دراستها‏.‏ كان النظام التعليمي في السودان مضرب الأمثال في المنطقة العربية‏,‏ بحيث ينشأ الطفل منذ المرحلة الابتدائية متحدثا باللغة العربية ولبقا‏(‏ عكس ما يشيعه البعض عن أهل السوداهن‏),‏ وفوق هذا وذاك فإن ارتباطنا التاريخي والقرب الجغرافي والوجداني لمصر أتاح لنا نحن النوبيين أن ننهل من معين مبدعي الجارة الشقيقة‏,‏ وكنا نتسابق لنتحصل علي مجلات روز اليوسف والهلال وصباح الخير‏,‏ وكنا أيضا نحفظ أشعار الشاعر الكبير أمل دنقل‏,‏ وصلاح عبدالصبور‏,‏ وأحمد عبدالمعطي حجازي‏,‏ وفاروق جويدة‏,‏ وكنت مغرما أيضا بأشعار أمير الشعراء أحمد شوقي‏,‏ وشاعر النيل حافظ إبراهيم‏.‏ فالثقافة العربية بلغتها الرصينة كانت غير بعيدة عن تشكيل الذخيرة عندي‏,‏ وكان ذلك حال معظم أهل السودان‏.‏

‏ *‏ يقولون إن طفلا أو شيئا من طفل يختبئ داخل كل شاعر ومتذوق للشعر‏,‏ وإنه يمثل له مصدر الدهشة الذي لا ينتهي‏,‏ ما الذي تبقي من ذلك الطفل النوبي في نفس عبدالإله زمراوي؟
تناولت كثيرا هذا الطفل المخبوء في داخلي في العديد من القصائد التي نظمتها‏,‏ فقد نشأت في بيئة رطبة فيها النخل الباسق‏,‏ والنيل الخالد‏,‏ ومازالت دهشتي الأولي تتملكني بين حين وآخر وكأنني طفل صغير‏,‏ وقد أري نفسي عديد المرات‏(‏ في أحلامي‏)‏ وكأنني عدت لقريتي الوادعة من ساحة المولد النبوي الشريف ومعي أختي‏,‏ ومنذ أن غادرت مسقط رأسي‏(‏ كرمة البلد‏)‏ للدراسة‏,‏ ومن ثم العمل بعيدا عنها‏,‏ لم أحلم للحظة واحدة بمكان آخر سوي موطني‏,‏ وكم سخر مني الأصدقاء عندما كنت أحدثهم عن ذلك‏,‏ مما حدا بي أن أنظم هذه الأبيات‏:‏
لا تسخروا مني
إذا ما جئت أحمل
ذرة من رمل قريتنا
أعفر في لآلئها جبيني‏!‏
أو فلنقل‏:‏ إن جئت
أحمل حفنة من
تمر قريتنا أمرع
في روائحها حنيني‏!‏

*‏ الشعراء كما يقولون نوعان‏:‏ نوع يطارد القصيدة ونوع تطارده فمن أي النوعين أنت؟
دوما تطاردني القصيدة كما يطارد الصياد طريدته‏.‏ فأنا الطريدة أو قل الضحية‏.‏ لا أملك إزاء هذا القدر شيئا سوي تلبية رغبته‏.‏ وقد صار الشعر عندي وكأنه أسير نفس يأتي متثاقلا ليقول علي لساني‏.‏
ما بين مسراي ومنفاي
رهنت قصيدتي
ونقشت قافيتي
علي رمل البكاء‏!‏
ثم يقولني مرة أخري‏:‏
وحملت مسغبتي
علي خطوي
وطفت علي البسيطة
من أقاصي الثلج‏,‏
جملت المكان‏,‏
عزفت ألحاني وأشعلت البكاء‏!‏
ثم إنني أصبحت أخشي علي نفسي من الهلاك عندما أشرع في كتابة الشعر الباكي أو الغاضب‏.‏

-‏ كيف تتخلق القصيدة عند عبدالإله زمراوي إذن وكيف يحس مخاضها؟
لا أعرف والله كيف تتخلق القصيدة عندي لكنني اوردت في بعض قصائدي‏,‏ فإن المخاض الشعري عندي أكاد لا أصفه بالكلمات بل قلته شعرا‏:‏
ياإلهي طائف يسكنني
وغيوم تحتويني
ورعود تلتقيني
بالأناشيد القديمة‏!‏
ذات يوم‏..‏ فاضت
الأحلام بالكأس
رمتني كالأبابيل‏,‏ بأحجار هميمة‏!‏

ما الذي تمثله حالة الاستسلام للشعر عند زمراوي؟ هل هي لحظة زهو أم انكسار؟
هو زهو وانكسار وبينهما ترقد كلماتي‏:‏
مابين عاطفتي الفطيرة
وانكسار العمر
مئذنة البكاء‏!‏
أدن وقل حيوا
علي الصبر
وغنوا اغنيات الموت
وافترشو العزاء‏!‏
لا تسلني أيها القديس
عن أمي التي
قد أودعتني
عند سقف ظل يحرسني
يطل علي السماء‏!‏
لاتسلني عن بلاد كنت أطعمها
كعصفور بمنقاري فعافتني
ونامت في العراء‏!‏
لا تسلني عن حبيب
أو قريب كلهم
يبكون في شعري
وقد سكت الغناء‏!‏

‏*‏ كيف ترتب هواجسك الشعرية وكيف تسوي شعثها وأنت القانوني بالمهنة‏,‏ المشطور بين منطق القانون المنضبط وصوت الشعر المتفلت من كل عقال؟
أكون دائما في منزلتين منزلة القاضي الذي يزن البينات ويرجح فيما بينها كما كنت أفعل سابقا أثناء عملي بالقضاء‏,‏ ثم أدرك سريعا بأن سلطان الشعر قد تملكني فأجثو بركبتي نحو المنزلة الثانية ليأتي حكمي في نص شعري دون أن ينتقص ذلك من عدالته‏(‏ الحق والخير والجمال‏).‏

‏*‏ تتكرر مفردة الوطن في قصائد ودواوين زمراوي حتي تكاد تكون الناظم الأعلي بين كل ما أنتج ما الذي يمثله الوطن بالنسبة لك؟ وما هو موقع الغربة في علاقتك به خصما وإضافة؟
لا أغالي إن قلت لك بأنني لا أنظم الشعر العاطفي أو الوجداني إلا لماما‏,‏ وكنت اردد دوما ومازلت بأن لا حب في زمن الكوليرا فهذا العهد الغيهب الذي ماانفك يخنقنا بأزماته البالغة وقيمة السياسية والأدبية والإنسانية المنحدرة لايترك لي أو لأي شاعر حقيقي موجوع مجالا ليبث لواعج حبه لهذا الكون المنبسط‏(‏ الخالي من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون‏)‏ أو تدبيج كلمات غازلة لامراة أحببت عينيها أو لوردة شممتها فسحرك عطرها أو لتغريد طائر الكنار في أيكه أو لزنبقة كنا نجري وراءها في الحقول‏,, لقد عدت للوطن يا سيدتي بعد غيبة طويلة‏,‏ كنت خلالها منفيا‏,‏ ووجدت خرابا هائلا ومدويا وموجعا يكتنف أرجاءه الأربعة‏.‏ الحكام عندنا للأسف يمتطون أحصنة جامحة دونما ألجمة تحجمها وهم في سباقهم الجنوني‏,‏ أحرقوا الحرث والنسل كشأن التتار وكل ذلك باسم الله والدين‏,‏ فشكرا لهم بعين دامعة وفؤاد يتفطر‏.‏
شكرا لأعداء النهار
شكرا لمن باعوا لنا الدين
المغلف بالبهار‏!‏
يا من سرقتم لوح جدي‏
واقتسمتم بينكم
صدف البحار‏!‏
ماذا أقول لجدتي‏:‏
يبست ضراعاتي‏,‏
وكفي ما يزال
علي الجدار؟
أأقول لليل البهيم‏,‏
يلف خاصرتي
ويؤويني‏:‏ أمن صبح‏,‏
ينير لنا الفنار؟
ماذا أقول لطفلة
الصبار زنبقة الكنار؟
أأقول للأرض القفار
هذا زمانك ياتتار‏!!‏
تألمت كثيرا مما رأيت من خراب وعدت أدراجي مهيض الجناح لمنفاي غاضبا جدا وحزينا جدا أكاد لا أصدق ما رأيت‏,‏ وآثرت أن أمطر هؤلاء العاقين حمما من الشعر مستصحبا كل تلك الآلام والجراحات الصادحات‏.‏ وكان غريبا وقع شعري علي أصدقائي‏,‏ فأنا لم أشتم أحدا في حياتي لكنني شتمت الحاكم الظالم وقلت له‏:‏
تبت يدا الحاكم
قد تبت يداه
إنه كالليل
والنوم أباه
سيفه الوالغ
ما أوسع مداه
من لم يمت بالسيف
أردته يداه.
إن الوطن عندي خط أحمر لا يدخله الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏,‏ هو خط مستقيم يمتد من مهدك إلي لحدك‏,‏ هو أمي وأبي وأختي وحبيبي ومصيري وزوالي وحضوري وغيابي فإن لم تكن خيرا كالأنبياء تجاه وطنك فأنت شاعر أو نبي كاذب‏,‏ والشعب هو الفيصل‏,‏ فكم من شعراء امتلكوا ناصية البيان ولكن ركلهم القراء وأداروا ظهورهم لهم‏.‏

لماذا يأخذك الوطن في كل أشعارك باكيا مرة ومغنيا له تارة أخري‏,‏ هل مهجركم البعيد بأمريكا الشمالية هو مبعث هذه الآلام العظيمة؟
لقد اتخذت لنفسي ركنا قصيا قبالة الشلالات‏(‏ نياجارا‏)‏ وعشت حياة المنفيين عن أوطانهم الذين لم ينسوا الوطن لحظة واحدة‏.‏ إن الوطن هو اسمي ما يمتلكه الإنسان‏,‏ فهو الأم الرءوم وهو الأب الرحيم وهو الصديق الوفي وهو الأرض والنيل والنخيل‏,* كلما تضيق بي الدنيا أنظر للوطن من خلال شاشة بانورامية عملاقة علي مشارف تلك الشلالات وأنظم أشعاري منها‏.‏ لقد أصدرت ثلاثة دواوين شعرية من تلة تطل علي الشلال وكأنني أنظر للنيل وهو يجري من جنوبه لشماله‏.‏
قلت ذات مرة وأنا منجذبك:
ما بين مسراي ومنفاي
رهنت قصيدتي
ونفشت قافيتي
علي رمل البكاء‏!‏
يا أيها الوطن الذي
ناجيته وبكيت
مثل النورس البحري
عند سمائه الزرقاء‏!‏
ونشرت أجنحتي
علي شفق
من الأحلام والبشري
وأغويت الرجاء‏!‏
وطن‏,‏ تحديت
المجرات البعيدة
وارتقيت إلي
صلاة العشق‏,‏
حدثت السماء‏!‏
ورسمت عند سمائه
طولي وعرضي
وائتماني
واقتفيت خطا الصلاة‏!‏
وحملت مسغبتي
علي خطوي
وطفت علي البسيطة
من أقاصي الثلج‏,‏
جملت المكان‏,‏
عزفت ألحاني
وأشعلت البكاء‏!‏
‏*(‏ مقاطع من قصيدة صلاة العشق‏).‏

الذين تناولوا بالنقد والدراسة أشعارك دائما يصورون بأنك شاعر الثورة القادمة وبأنك شاعر ثوري‏,‏ أليست لك أشعار عاطفية؟
لا أحب وسمي بشاعر الثورة أو بشاعر المرأة أو غيرهما فالتسميات تكبل الشاعر ولا يجعله قادرا علي نظم أشعاره بحرية وكما تعلمين فإن الشعر فضاء من الأحلام والرؤي والنبوءات‏.‏ نعم أقر بأنني أميل للشعر الثوري الحاد لأنني شعرت بأن الثورة تعتمل وتنقد في صدري نتيجة للمظالم التي يمر بها الانسان في كل عصر ومصر‏.‏ ثم إنني أود أن أوضح لقرائكم الأعزاء بأن الوطن عندي ليس محددا بقطر معين وإنما توصلت لقناعة تامة بأن الأرض الواسعة هذه هي أوطاني‏.‏ الوطن عندي متعدد والحاكم الظالم والجلاد والضحية ليسوا بالضرورة من السودان أو مصر أو غيرهما من الدول‏.‏ وقد هاجرت منذ نحو عقدين من الزمان لأمريكا الشمالية وعاشرت شعوبها وركلت عندهم كل موبقات العصبية والقبلية وصرت أميل كثيرا لمبدأ‏(‏ الإنسانية‏).‏

عندي أشعار عاطفية نظمتها في عدة مرات ولكنها ليست من دائرة اهتماماتي الآن فقد أخذتني الأحزان والأشجان بعيدا عنها‏.‏ لدي الآن أشعار تم تلحينها بواسطة الملحن الخليجي الكبير خليفة جمعان السويدي وهي عبارة عن أوبريت غنائي يتكون من‏12‏ لوحة شعرية وغنائية قمت بنظمها لبرنامج لكل ربيع زهرة الذي ترعاه سمو الشيخة موزة حرم أمير دولة قطر‏.‏ وهنالك ست فنانين من قطر ومصر والسودان يشاركون في هذا الأوبريت الضخم الذي سيتم تقديمه في فبراير‏2011‏ علي مسرح قطر الوطني‏.‏

*‏ كيف ينفعل الشاعر زمراوي بما يحدث لوطنه السودان من مظاهر تمزق وإنفصال ومستقبل مجهول لوحدة أراضيه‏,‏ هل نظمت أشعار للوطن؟
حزين لما يحدث لوطني من مآسي بالغة وصراع وتمزق‏.‏ ومبعث حزني هو أن الله قد وهبنا وطنا عظيما شاسعا مليئا بالخيرات وشعبا محبا فريدا‏,‏ إلا أن الساسة قد تكالبوا عليه تمزيقا وتفتيتا حتي إنشطر من الألام‏.‏
ليلي يكحل نجمه
صخب الشتاء‏!‏
فإذا النجوم تجاسرت
وتناثرت حولي
وأقبلت السماء‏,‏
وتهامست أجزاء قلبي
بالأنين وبعض
زفرات الرجاء‏,‏
ماتت فراشاتي الجزينة
حسرة وخبا الضياء‏...!‏
قلنا لكم
لا تتركوني للسباع
تهش عن جسدي
دؤابات الرجاء‏...!‏
قلنا لكم
قلبي علي وطن
تناثر حزنه
شرقا وغربا
والفراشات الجميلة
غبن في شفق العزاء‏...!‏
وما هو الخلاص في نظرك؟
ربما تسعفني هذه الأبيات‏:‏
علي أمشاط القدم اليسري
جاءتني البشري
جاءتني تتمايل كالأحلام‏!‏
قمري قد جد بحلته
وكذلك غمرتني الأنسام‏!‏
عبدت مسيري ذات ضحي
وجلست أداعب في الأنغام‏!‏
يا نور الحق متي غده؟
أقيام الليل علي الأحلام؟‏!‏
قد بت بجرح في الغرة
ورماني الذئب مع الأغنام‏!‏
أعياني الوالي ذو الفاقة
ففقدت بريق الأيام‏!‏
وقضيت العمر علي الناقة
ورقصت الفجر مع الأصنام‏!‏
يا ليل الوالي ذي الحاقة
أعياني الخوف من الأزلام‏!‏
ورماني الليل بكلكله
فهجرت الشعر مع الأحلام‏!‏
يا نور الحق متي غده؟
وطني‏...‏
وطني قد بات من الأيتام‏!‏

ماذا كتبت أخيرا والوطن يمر بأزمته الحالية؟
كتبت‏(‏ دمعتان علي الوطن‏)‏ قلت فيها‏:‏
‏(1)‏
وجعي هنا‏...‏
وطني هناك
بدمعه المسفوح
كحل مهجتي
شنفا وعار‏!‏
وجعي هنا‏...‏
فلتسفحي فوق الجراح
دموع عسجد كي أري‏...‏
عصفورتين‏,‏
وأيكتين‏,‏
وجلنار‏!‏
وجعي هناك
كدمعتين تشظتا
فوق الجبين وحطتا
ما بين أنفاسي
وأحداق النهار‏!‏
وجعي هنا وطن‏,‏
مشيت علي خطاه‏,‏
رسمت خطوي رائعا‏:‏
أرجوحتين وشمعتين
علي فنار‏!‏
شمع من اللهب المرفرف
في جبين الليل‏,‏
ناقوس ونار‏!‏
شمع من اللهف المشرشف
كانبساط الريح
دندنة الكنار‏!‏
‏(2)‏
هذه الصحراء مني
لم تزل آثار أقدامي
علي الرمل إخضرار‏!‏
هذه الصحراء مني
لم تزل أمي‏,‏
وجدي لم يزل يروي
حكايات الصغار‏!‏
هذه الصحراء مني
أرضعتني ثديها الغاضب
إعصارا ونار‏!‏
هذه الصحراء مني
أرضعتني ثديها الحالم
إكليل الفخار‏!‏
هذه الصحراء مني
لم يزل قصري علي
النيل مزار‏!‏
‏(3)‏
وجعي هنا‏...‏
دقي طبول الموت‏..‏
صبي دمعتين
علي التتار‏!‏
وجعي هنا‏...‏
دقي نحاس البوق
كي يحيا النشيد
ونشتعل
لهبا ونار‏!‏
وجعي هنا‏...‏
دمعي ودمعك
دمعتان علي المدار‏!‏
وجعي هنا‏...‏
وطني هناك
بدمعه المسفوح
كحل مهجتي
شنفا وعار‏!‏

*‏ أستاذ زمراوي ألا تزال تراهن علي الشعر بوصفه حافزا يمتلك القدرة علي الحض والتحريك؟
قلنا لكم لا تتركوني
للسباع تهش
عن جسدي
دؤابات الرجاء‏...!‏
قلنا لكم قلبي
علي وطن
تناثر حزنه
شرقا وغربا
والفراشات الجميلة
غبن في شفق العزاء‏...!‏
نعم مازلت مؤمنا يقينا بأن الشعر هو أعلي أدوات المقاومة‏,‏ لم يمت الشعر بعد‏,‏ وإن ترنح قليلا‏.‏ ويجب أن يكون الشاعر الحقيقي متحفزا دوما ومتقدما دائما أمته ليري لها بعيني زرقاء اليمامة ما لا يراه الغير‏.‏ ثم إن الشعر مازال مدهشا في امتلاكه لقدرة التجييش وسوق الناس نحو مرافئ الحق والخير والجمال‏.‏

*‏ لطالما بشرنا الشعر وشعرك في خضمه بعوالم جميلة تنتصر فيها إرادة الشعوب وتعلو فيها كلمتها؟
مازال السجال قائما ما بين قوي الخير والشر في السودان الجريح وفي غيره من الأقطار وقد صارت الغلبة للأسف‏,‏ مؤقتا‏,‏ للأشرار‏,‏ لكنني أتنبأ صادقا وجازما بأن ليالي الطغاة قصيرة وأن أيامهم معدودة وسوف ينبثق الفجر الصادق قريبا‏.‏
يا وطني لا تحزن فالفجر
أراه يدفع لي الأبواب السمراء‏!‏
لا تحزن يا نبع الثوار
فالثورة حين تفاجئنا
كالبرق الخاطف‏
تأكلهم كالنار الحمراء‏!‏
وتحصد أبناء الغول
وتسحق أحفاد العنقاء‏!‏
الثورة آتية لا ريب‏.‏
صدقني يا وطن الشرفاء‏!‏

‏*‏ إلي أي حد أنت مشغول بحفظ ذاكرتك الشعرية أستاذ زمراوي‏,‏ وما الذي ستختاره للبقاء منها إن كان لابد من الاختيار؟
الذاكرة الشعرية للشاعر هي مخزونه الفكري والإبداعي‏.‏ يجب علي الشاعر ألا ينظر للأمور نظرة آنية أو سطحية أو ربحية‏,‏ كأن ينظم شعرا ليبيعه للناس‏.‏ فالشعر لا يشتري والشعر لا يباع‏.‏ الشعر الحقيقي هو الباقي بعد رحيل شاعره‏,‏ قويا يصارع بمعناه ومبناه قوي الشر والظلم والاضطهاد والقمع في كل العصور‏.‏ ثم إن الشعر الذي لا يخاطب الناس في كل مصر ومصر غير جدير بحفظه في الذاكرة الجمعية للقراء‏,‏ والشاعر منه باعتباره أول القارئين لما ينظمه من شعر‏.‏ فإذا دبجت الآن قصيدة المديح العالي في أي حاكم‏,‏ مهما كان‏,‏ فقطعا لن تخلد تلك القصيدة في الذاكرة الجمعية ولن تستقر مثلما تستقر القصائد التي تحض علي التمرد والثورة والانعتاق من ربق العبودية والذل والقهر والهوان‏.‏ الناس يحتفون بالحق والخير والجمال في الإطار الإنساني وهذا ما أسعي إليه دوما وأتمناه‏.‏ كما أنه ليس ضروريا أن يحتفي الناس بأشعارك وأنت علي قيد الحياة وإنما الأروع أن تأتي أجيال أخري بعد مئات السنين ليستذكرها ويرددها‏.‏ وبهذه المعاني سأختار كل ما كتبت من أشعار علها تضعني بين من وضعهم التاريخ في أسفاره وحقائبه‏.

الثلاثاء، 21 أبريل، 2009


انه شاعر جدير بالقراءة وجدير بالاستقرار في حافظة الجمهور القارئ

بقلم: محمد المكي ابراهيم*

عن هذا الديوان (أُغنيات اللَّيْلْ):
تبدأ أزمة القصيدة حين يعتادها جمهورها حتى ليسبق شاعرها إلى معانيها وقوافيها إذ يكون ذلك الجمهور قد سمعها من مئات الشعراء وحفظها على ظهر ضجره وسأمه وملالته. ذلك ما حدث للقصيدة التراثية بعد خمسة عشر قرناً من السيطرة الكاملة والرواج وذلك نفسه ما حدث للقصيدة التفعيلية بعد خمسين عاماً (أو أكثر) من ظهورها الأول وهو نفسه ما أخذ يحدث لقصيدة النثر بعد خمسة وعشرين عاماً من بداياتها. وليس صدفة ذلك التسارع في معدلات الإملال ففي طبيعة هذا العصر أن ينتقل أهله من صرعة إلى صرعة ومن جنس فني إلى جنس جديد. ولاننسى أنه عصر المرئي والمسموع حيث يستطيع الموقع الإلكتروني أو القناة التلفزيونية نقل أجمل الصور والأصوات إلى المشاهدين في بيوتهم دون أن يتكلفوا شراء الكتاب أو عناء القراءة.
دارت بذهني بعض تلك الافكار وأنا أتصفح النسخة الاولى لهذا الديوان وأقرأ بعض قصائده منشورة في الصحف والمواقع الإلكترونية ولا أقول أنه أعطاني انطباعاً بانتمائه إلى القصيدة التفعيلية المأزومة بقدرما أعطاني أملاً في تجاوز تلك الأزمة والرسو على بر أمان. ففي كثير من قصائده استطاع عبد الاله زمراوي أن يتخطى القصيدة التفعيلية التقليدية بصور ومضامين أكثر خيالاً وفرادة وبتنويعات موسيقية أكثر طرباً وإبهاراً. وهنالك يكمن الأمل في بقائية القصيدة التفعيلية وتخطي أزمتها على أيدي جيل كامل من المبدعين الجدد يعيدون إليها شبابها وجدارتها بالحياة.
ويتمتع الشاعر عبد الاله زمراوي بعدد من المزايا يبدو أنها ستحقق لتجريته النجاح وعلى رأس تلك المزايا الوتر الوطني الرنان الذي ينقر عليه في معظم قصائد الديوان وهو وتر شديد الفعالية إذ ينذر بالكارثة المقبلة التي ستحيق بالبلاد والعباد وتطيح بكل الأحلام بصورة تستفز الشعور الوطني للتحفز والاستنفار فعبد الاله شاعر نوبي أي أنه يأتي من اثنية مهضومة الحقوق ولكنها على درجة عالية من الوعي والحساسية والطبيعي والحال كذلك أن تسعى إلى خلاصها الخاص بعيداً عن بقية الوطن ولكن الشاعر يظل يربط قضية النوبة بمجموع المهمشين والغلابة في مختلف أنحاء البلاد وله في ذلك دعوى متفردة، ففي حقب تاريخية ماضية كان السودان هو بلاد النوبة وكانت ممالك النوبة وحضارتها هي وجه السودان القديم معبراً عنه في أسفار العهد القديم وفي كتابات المؤلفين العرب القدماء وفي أقاصيص الرحالة والمكتشفين الأوروبيين وذلك ما يخلق وحدة واشجة بين القراء وتلك الآلام والأحلام التي يبكيها الشاعر كلما عنونها باسم تهارقا وشبتاكا وكرمة ودنقلة القديمة فهنالك يغدو معبراً عن مجموعنا المعاصر الذي– في ظلام القهر الدكتاتوري- لم يعد يجد صوته ولا يجد من يعبر عنه.

وهنا يلتمع الشاعر في وهج معزوفته الوطنية في زمن انصرفت فيه عقائر الشعراء عن التغني بوطن اغترب عن ذاته وعن محبيه وضاعت قسماته الأصلية تحت ستارة مسرحية وانتماءات لاوجود لها في الواقع السياسي والفني للعالم المعاصر. وهكذا يغدو هذا الشاعر صوت الوطنية في زمن الصمت وشاعر الغضب النبيل في غيبة الوطن الممتدة.
إنه شاعر جدير بالقراءة وجدير بالاستقرار في حافظة الجمهور القاريء.
*شاعر وأديب سوداني

الاثنين، 16 فبراير، 2009



بقلم: صباح الفحّام*

كنت جالساً مع أحد الاصدقاء في مدينة سانت كاثرين بكندا وكنا نتحدث عن الأدب والأدباء في المهجر وأحوالهم وما يعانون في بلاد الغربه والأغتراب اضافةً إلى التهميش والمطاردة من قبل حكام بعض البلاد العربيه والضغوط النفسيه التي يتعرضون لها. فاشار لي صديقي بانه يوجد في هذه المدينة أحد الشعراء الكِبار واسمه (عبدالإله زمراوي). ومد يده وناولني ديوانً شعري أبهرني الغلاف قبل محتواه .وأثار فضولي عنوانه الذي خُطّ بصيغة جميلة -(صهوةُ العُمر الشقي)– وكان إختياراً رائعاً من شاعرٍ رائع مما زاد من فضولي لكي أتصفح هذا الديوان!

رأيتُ لوحات الإبداع التي رسمتها أنامل فنانٍ أتقن رسم الصورة الشعرية بكل ما تحوي من الطِباق والجِناس. فلم ارى الاّ ألوان المعاني التي امتزجت مع شذرات البيان لتكوّن لوحات البديع ورحتُ أغوصُ في أعماق المعاني وأبعادها وشعوري في تلك الحالة ان روحي حلّقت مع الفكر في سماء الابداع الرحب الذي زانته كواكب الكبرياء والتحدي والتي اخترقت اشعتها ظلمات كل البدن! وشعرت بقشعريرة طالت كل اعضاء جسدي وألهبت قلبي مشاعل الثوّار والأمل المنشود لكل عربي حُر! فإن كان صاحب الديوان الشاعر عبدالإله زمراوي يتحدث عن مدينه كرمة أو أُم دُرمان او عن المنطقه النوبية فكل منها جزء من الوطن العربي الكبير من باب الاشارة إلى الكل بالجزء. لكم تمنيت وأنا اقرأ قصائده الرائعة أن التقيه وعرضت على صاحبي خلجات نفسي وطلبت منه ان كان يستطيع ان يساعدني للقاء هذا الشاعر العملاق فاجابني بابتسامة تدل على سهولة المطلب وان المطلوب انسانٌ تُزينه إنسانيته وأخلاقه وبساطته. ومرت الساعات والايام وبدون سابق موعد رايتُ جبلاً شامخاً يقف أمامي وكأنه سرقَ من عيني كل أبعادها وهو ينشدني روائعه التي زانتها حركات يديه إبداعا وأبعادا وماصدّقت نفسي بأن الشاعر الكبير عبدالإله زمراوي هو ذلك الجبل.

ومنذ ذلك الحين لايكاد يمر يومٌ الا ويشنّف أسماعي في صباحه صوت شاعر الثورة السودانية بل يحق لي ان أقول شاعر الثورة العربية الاستاذ الكبير عبدالإله زمراوي وكم مرة طلبتُ منه ان يقرأ لي قصيدة:

ألهبتُ حَنْجَرتي
بأصداءِ الرُّعودْ
كحَّلت أحزاني
بمِرْواَدِ الصُّمودْ
وسبَابتي أغمدتُها
في عينِ جبَّارٍ حَقُودْ!
الله اكبر إنها الابداع في حقول الثورة وما أروع كل قصائده وما أجمل ها ويشهد الله كلّما اقرأ اية قصيدة من قصائده، أو عندما أعيد قراءتها اكتشف ابعاداً في المعاني لم ادركها في قراءاتي السابقه لهذه القصيده وكأني لم أفهمها من قبل ان لم أقل كاني لم اقرأها। لله درك يا زمراوي وأنت تكتبُ قصيدة ( يالثاراتِ الحُسين). لله درك عندما تقول في مطلعها :
يا للتعاسةِ
حينما يلقاكَ
ذو القرنينِ تفترشُ
الحَصى وتهُشُّ
أطنانَ الذُّبابْ!
فقط ان هذا البيت بأبعاده وبمعانيه، ديوانٌ كاملٌ فنحن بحاجه إلى الصحوة وكفأنا رقوداً। وبحق فان الرقود في أفياء العبودية تعاسة في تعاسة وما أجمل من ان يقوم الانسان وينفض عن جسده الغبار ولايخشى في الحق لومة لائم واعظم مثال ومنار يضئ لنا الطريق هو المنهاج الذي خطه الامام الحسين بن علي عليه السلام عندما ثار ضد الظلم والفسق والفجور واصداء ثورته تقض عروش الطغاة في كل عصر ومصر।
تحية اجلال واكبار إلى استاذي الشاعر الكبير المبدع عبد الاله زمراوي.

_________________________________
*شاعر عراقي مقيم بكندا

الاثنين، 26 يناير، 2009

بُكائيَّةٌ في حَضرةِ الوطنْ!


كأنَّ الفجرَ القادمَ منكَ
يَزيحُ عنِ القلبِ
المتعبِ كلَّ ظلامِ الإعياءْ !
مهلاً يَا قلبُ فقدْ أضنتْكَ
فُصولُ الشوقِ
أرْداكَ عقوقُ السَّيفِ
الغارسِ في الأحْشاءْ
وطعناتُ بنيكَ من الأعداءْ!

فالفجرُ الصَّادقُ
كانَ بعمقِ الجرحِ سرابا
والليلُ الحالمُ
كانَ على الأحشاءِ خرابا
وكذلك سيفي،
سيفُ الشُّعراءْ !

يا وطنًـا كانَ حييًّا
كان لطيفًـا بالأبناءْ
الآنَ بنوك
ينامون على أرصفةِ التِّيـهِ
يَرودونَ صحاري الغرباءْ!
وبعضُ بنيكَ
إحتلبوا كلَّ رحيقِ الوردْ،
إستلبوا كلَّ فصولِ العمرْ،
و باعونا بخسًا بخسًا
للتّجَارِ وأفواجِ الغرماءْ !
يا وطنًا يرقُدُ فينا
نهرًا، مجرًى..
لحنًا، شعرا..
يا ويلَ الباعةِ
يا ويلي،
يا ويلَ الأعداءْ !

يا وطنًا يلتحِفُ
سماواتي ألقًا وبهاءْ!
قليلٌ من زادِكَ زادي..
كثيرٌ فيكَ رجائي..
والشِّعرُ أنينٌ وبكاءْ!
يا وطني هل أنتَ إلهْ ؟
هل تدري أنَّ بنيكَ الآنَ
يبيعون الدِّينَ على الطُّرُقاتِ،
و يبيحونَ حليبَ الأثداءْ!

إلهي مَنْ أرضعَ وطني
من ثدي الذلِّ؟
إلهي مَنْ أسقاهُ حليبَ شقاءْ ؟؟
مَنْ أربَكَ خطوي
وسقاني من كأسِ التُّعساءْ؟!
الآنَ بودي ان أطرحَ
رُمحي أرضًا أرضا..
أنْ أكسِرَ لَوْحي إرَبًا إرَبا..
مِنْ فَرْطِ الإعْياءْ!
لكنِّي أعجزُ يا وطني
يا وطنَ العشقِ
الغارقِ في الأحشاءْ
هذي كلماتٌ خَجْلَى
أحفرُها ألقًـا في
ذاكرةِ الثُّوَّارِ
وأنقشُها لفلولِ الدَّهْمَاءْ!

جئتُكَ وَحْدي
وقميصي يتبعُني
كظِلالِ البدوِ العَرجاءْ !
لا أحملُ سيفًـا قرشيًّـا..
لا أدركُ كهفًـا سريًّـا..
جئتكَ وحدي والله
جئتُكَ أحمِلُ
شوقَ الشُّرَفَاءْ!

في حضرةِ ملكوتِكَ
يَرتدُّ البصرُ بصيرا!
يألفُ قلبي محرابَـك
ينبثِقُ ضياءْ!
يتحسَّسُ قلبي
كلَّ الغزواتِ حسيرا!
أتحسَّسُ جلبةَ ثوَّارِ
في المهدِ هديرا،
يأتونَ من الغيبِ
و يسُدُّونَ الأرجاءْ!
من سنَّارَ و سنجةَ يأتون..
من عندِ السلطنةِ الزَّرقاءْ !
مِنْ قبةِ شيخِ عركي
بناحيةِ السُّنِّي،
أضناهُ الشوقُ إلى اللهْ،
فأبكاه الشوقُ وأسرى للهْ!
من عندِ سلاطينِ الفورِ سيأتون..
من كَرْمَةَ من "كنداكة كوش"
من الرَّجَّافِ من الجبليْنِ سيأتون!
سيأتون حبيبي من كلِّ الأنحاءْ !
سيأتونَ خِفافًـا وثِقالاً
بنَقْعِ الثُّوَّارِ ونارِ الغرماءْ!
ثوارك يأتونَ من الغيبِ
بسيوفٍ أعياها الحزنُ
وأسكرَها رجمُ الأعداءْ !

يا وطني لا تَحزنْ
فالفجرُ أراه يدقُّ
على الأبوابِ السَّمراءْ !
لا تحزنْ يا نبعَ الثُّوَّارِ
فالثورةُ حينَ
تفاجئُنا كالبرقِ الخاطفِ،
تأكلُهم كالنارِ الحمراءْ!
و تحصدُ أبناءَ الغولِ
وتَسحقُ أحفادَ العنقاءْ!
الثورةُ آتيةٌ لا رَيْبَ.
صدِّقني يا وطنَ الشُّرفاءْ!


بابُ العُمرْ!


اليومَ أكْملتُ التَهجُّدَ
عندَ بابِ العُمرِ مُعتمراً،
ومتكئاً على اللًوح المُسًطرٍ،
مُثقَل الخطواتِ،أبكي كاليمامةِ
بينَ فكًي السماءْ!

أُمي علي كتفْي
وأحزاني علي كْفي،
حملتُ الحُزنَ والمنفى...
مِن الأقصى الى الأقصى...
أهيمُ كطائرِ الفينيقِ،
أقضي العمر
محمولا بأجنحةِ البُكاء!

اليومَ أكملتُ التسكعَ
طارِحاً "خطْوي"
بسوقِ الأنبياءِ!
اليومَ أكملتُ التشهدَ
غارقاً حد الثمالة
في فُقاعاتِ المُنًجمِ،
أقتفي كالظلِ
أقبية الضياءْ!

اليومَ أكملتُ التمددَ
والتشبثَ
في خيوط العنكبوت..
ذبحتُ قرباني،
وأعلنتُ الحِدادَ
على السماءْ!

اليومَ أعلنتُ التمردَ
وأعتمرتُ قُنينتي...
ألوي على غاري
أتيتُ مُحارباٌ...
كالنعجةِ العرجاءِ أمشي،
يعتريني الخوف من نفسي
فأغرقُ في الثُغاءْ!

اليومَ أكملتُ التربُعَ
فوقَ عرشِ الزيفِ
أحرقتُ الحقيقةَ
وارتقيتُ الى السماءْ!

اليومَ سامرتُ الخليفةَ
عندَ بابِ العرشِ
صرتُ نديمَه وغريمَه
وخلعتُ أقنعةَ الحياءْ!

اليومَ جاورتُ الخليفةَ
وانتبذتُ مكانةً
ولبستُ أرديةَ الرياءْ!

اليومَ أعلنتُ التجرُدَ،
خالعاً ثوبي
ومحتسباً سمالاتي،
اُداري سَوْأة العُمرِ
بأوراق الخِباءْ!

يا رفاقي...
يا رفاقَ الخطوة الحُبلى
أعيروني خطاكم،
كي اُناجي وشوشاتَ
الريحِ، محرقةَ الهباءْ!

يا رفاقَ الخطوة العجْلى
أعيروني خُطاكمْ.
بالذي سمكَ السماء!

أطْفأتْ ريحُ
الشمالِ بَصيرتي
فجلستُ ألتحفُ
السماواتَ الحزينةَ
عند خط الإستواءّْ!

تِلكَ أحلامي
وحِلّي...
تلكَ أسراري وظلي...
تلك نزواتي التي
أخفيتُها حدَ البُكاءْ!

أغفروا لي
شيعوني...
أحملوني ...
مثلَ عصفورٍ
لقبري...،
ثُم قولوا:
أيُّها الواقفُ
والسائرُ...
والمخفي
والظاهر...
والظافر
والخائبُ...
موعودَ الرجاءْ!!

الأول من يناير 2009

الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2008

عبدالإله زمراوي، شاعر يطوّع اللغة لمشيئة الخيال

عبدالإله زمراوي شاعرٌ يُطوّع الُلغة لمشيئة الخيال

بقلم: فقيري حمد*

مولأنا القاضي عبدالإله زمراوي، شاعرٌ نوبيٌ من كرمة يُغرّد في مهجره تغزلاً بالسودان. مولأنا القاضي عبدالإله خَلفٌ لسلفٍ من أعلام نوبيين أثْروا الوجدان السوداني شعراً عربياً رصيناً دون ان ياخذ ذلك من إعتزازهم النوبي ثقافةً و لغةً و تقاليد راسخة في الوجدانْ. فهو امتدادٌ طبيعيٌ لخليل فرح، جيلي عبد الرحمن، حمزة الملك طمبل، توفيق صالح جبريل، محمد محمد علي، محي الدين صابر، محي الدين فارس وعظماء كثيرون غابوا عن الذاكرة. تفوق المتحدثون بغير العربية سُنة قديمة، فما الخليل بن احمد و سيبويه وعبد بن المقفي و شوفي والبارودي الا امثلةً لذلك.

عبدالإله صاحب مدرسة مُتفردة في مَعانيها و أفكارها وأخْيلتها. فهو شاعرٌ يمتلك ناصية البيان ويطوّع اللغة لمشيئةِ الخيال و يُبدع في مضاربِ الشعر و فنونه فخراً و هجاءً و نسيباً ولكنه يعِف عن المدح لا بخساً للفضل بل عفّةً عن المغنمْ. شاعرنا عبدالإله متفردٌ في الوصف كما الاخطل وموجودٌ للفخرِ كما الفرزدق , فخرُه بالتراث النوبي و اعتزازُه بالإنتِماءِ ينضَحُ به كل بيتٍ من ديوانه الجديد (اغنياتُ الليل). عبدالإله متمكنٌ من الهِجاء إذا شاء ولكنه لا يهجو الاّ اولئك الذين رجعوا بشعبنا القهقرى الي ما وراء العقل وسدوا آفاق الاستنارة في كل فجٍ من ربوع بلادنا الحبيبة.

فهو في قمة تدفقه الشعري مأخوذٌ بما يعانيه السودان من احداثٍ جِسام فتدفقت لديه عاطفةٌ جياشةٌ تهدي خطي المترددين وترسُم معالم الثورة الكامنة في رِحم الغضب الشعبي علٍّها تُدمدِم عرش الطواغيت. لقد ترعرع شاعرنا في بيئة رطبة قوامها النخل الباسقُ والنهرُالدافق فتدفقَ شعرُه سلسلاً جزلاً، يشُق الصخرالأصمْ. عبدالإله القادم من المؤسسة العدلية لا يقرض الشعر ترفاً بل تِرياقاً للظلمِ و صوتاً للحق، لذلك يعتبر حقاً شاعرُ المقاومة.
________________________________
قدْ قُلتَ يا كوشيُ*

نظم: فقيري حمد

قدْ قُلتَ
يا كوشيُ شعراً
لا يُجاريه جريرْ
ونسجتَ قافيةَ البيانِ
تِبراً موَشّى بالحرير
أقسمتُ أن الشِعر
مملكةً لديك
وإنّني بِك مُستجير
كم كُنتُ أرجو
أن أكيلَ المدحَ
يا مولاي لكني فقيرْ
من قالَ أن لسانَنا العجميُ
يمنعَنا الزمير؟
من قالَ أن الضادَ
موطِنه دمشقٌ أو عسيرْ؟
من قالَ أن النيلَ
لا يلِدُ الفرزدقَ والصغيرْ؟
عبثاً تُحاولُ تغلبٌ
وأُميةٌ وبنو نَميرْ
انْ ينكروا التاريخَ
ما بين العمامةِ والبعيرْ!
لكنه السودان ذو نسبٍ جديرْ
روضة رياضُ الشعرِ
والأدبِ النضيرْ
كادت تكون
أميرة الشعراءِ
لو صدَقَ الأميرْ!
_________
*نُشرت بموقع سودانايل الالكترونية

صلاةُ العشق!


صلاةُ العِشقْ!

(1)
ما بينَ عاطفتي الفطيرةَ
وإنكسار العمرِ
مئذنةُ البُكاءْ!
أذِّنْ وقلْ:
حيَّوا على الصبرِ
وغنوا أُغنياتَ الموتِ
وأفْترشِوا العزاءْ!

لا تسَلني أيُّها القِديسُ
عن أُمي التي
قد أودعتني
عندَ سقفٍ
ظل يحْرسُني
يطلُ على السماءْ!
لا تسلني عن بلادٍ
كنتُ أُطعمُها
كعصفورٍ بمنقاري
فعافتني،
ونامتْ في العَراءْ!
لا تسلني عن حبيبٍ
أو قريبٍ
كلهم يبكونَ
في شعري الى حد البُكاءْ!

(2)
ما بين مسرايَ ومنفايَ
رهنتُ قصيدتي
ونقشتُ قافيتي
على رملِ البُكاءْ!

يا أيُّها الوطن الذي
ناجيتَه وبكيتُ
مثل النورسِ البحري
عند سمائِه الزرقاءْ!

ونشرتُ أجنحتي
على شفق
من الأحلام والبشرى
وأغويتُ الرجاءْ!

وطنٌ تحديتُ
المجراتَ البعيدةَ
وأرتقيتُ
الى صلاةِ العشقِ،
حدثتُ السماءْ!

ورسمتُ عندَ سمائه
طولي وعرضي،
وانتمائي
وإقتفيتُ
خُطى الصلاة!

وحملتُ مسغبتي
على خطوي
وطفتُ على البسيطة
من أقاصي الثلجِ،
جمّلتُ المكانَ،
عزفتُ ألحاني
وأشعلتُ البُكاء!

يا مرقدي...
وطني يئنُ
من البُكاءْ!

(4)
حزنٌ رماديٌ
تمدّدَ في
شقوق ِ الليلِ
حتى نامتِ الأفلاكُ
وإنطفأتْ
مصابيحُ الضياءْ!

يومٌ شقيٌ آخرٌ،
حُزنُ العصافيرِ
على أعشاشِها،
والهدهدُ الباكي،
واحلامي التي
أودعتها وطنا،
رهنتُ العمرعند
طلوله الفيحاءْ!

يا طيفي الوثّابُ
أحْلِلْ عُقدةً
مِن نظمِ شعري
علّني أجتازُ
صخرَ الإنكِفاءْ!

يا ويلَه القلبُ
المسربلُ في المُنى
كافِ التثاوبَ
وأنْفلِقْ كالذرةِ الصغرى
وأمْدُدْ سكتي
قد شاخَ عُمرُ الإختباءْ!

يا ويلَه القلبُ المعذبُ
يفترشْ زيفَ الترقبِ
ريثما تأتي
خيولُ القابضينَ
على حَشاشاتِ الغِناءْ!

(5)
هاهوَ العمرُ أمامكْ
والرؤى تنسابُ
رقْراقٌ خيالكْ
أيها المخبوءُ
في جُحرِ ِالخِباءْ!
قدْ حسِبتَ الليلَ
يصطافُ
على نهرِِالمُنى
وارتهنت العُمر
ممدوداًعلى
بحرِ الرجاءْ!

أيُّها الساقي كظلي
أين كأسي؟
لا أرى كأسي
وراحلتي تدُبُ
دبيبُها خًبٌ،
وهذا العشقُ يُسكرُني
الى حدِ البُكاءْ!

عاشقٌ أنتَ
فلا تشقى،
وإن رانَ
على الدربِ شقاءْ!

راهبٌ أنتَ
على الغارِ
فلا تأسى،
صنعتَ المجدَ
أدمنتَ البقاءْ!

جاثياً أبكي على غَيمُ الشتاءْ



لمْ أحتملْ زهوَ الحروفِ
على قرابينِ الرِّياءْ،
الأناشيدَ التي تأتي
على نارِ المساءْ،
وعصافيري التي
أفرخها القلبُ فنامتْ
عندَ أحزانِ الضياءْ!

أيُّها المذهولُ
من رَهقِ الرَّجاءْ
أنبىءِ القلبَ
عنِ الوجدِ الذي
ما أنفكَّ مصلوبًا
على خَدِّ اللقاءْ!
زمِّليني يا مطاراتِ التَّسكُع
أحمليني لبلادي
ودَعيني أحملُ البشرى
لشمسِ الأستواءْ!
دثِّريني بحريرٍ من سَناها
يوقظُ الصَّمتَ الذي رَانَ
على صمتِ السَّـماءْ!

بالذي بعثرَ في ليلي
شموسًا من دموعٍ
وحنينٍ ورجاءْ!
وسقاني من كؤوسٍ
أسكرَتني، ساومَتني،
ألْجمَتني بحريرٍ من بهاءْ!
فقرأتُ الكَفَّ والغيبَ
وأسرجتُ بُراقي
عندَ سدرِ الاشتهاءْ!

داوني بالعزِّ
والعزُّ صنيعُ الكبرياءْ
لا تَكِلْني للبشاراتِ التي
أشعلها القلبُ
أنينًا وبُكاءْ!

أيُّها الوطنُ الذي
داسَ على جلاَدِه
وتسامَى شامخًا
نحوَ السَّماءْ!
أيُّها الوطنُ الذي
قد صالَ في عُرصَاتِه
جيشُ أحزاني
وخيطٌ من دماءْ!
يا بلادي
أنتِ تقتاتينَ مِن صبري
على رَهقِ الغناءْ!

زمِّليني بالذي
أسرجَ في ليلي
قناديلَ البهاءْ
وخُذيني مثلَ برقٍ
من عيونٍ لا تراني
جاثيـًـا أبكي
على غَيْـمِ الشتاءْ!

قلبي على وطنْ


قلبي على وطنْ

(1)
ليلي يكحَلُ نجمَـه
صخبُ الشتاءْ!
فإذا النُّجومُ تجاسرتْ
وتناثرتْ حوْلي
وأقبلتِ السَّماءْ،
وتهامستْ أجزاءُ قلبي
بالأنينِ وبعضِ
زَفراتِ الرَّجاءْ،
ماتتْ فراشاتي الحزينةُ
حسرةً وخَبَا الضِّـياءْ...!

(2)
قُلنا لكمْ
لا تتركوني للسِّباعِ
تَهُشُّ عنْ جسدي
ذُؤاباتِ الرَّجاءْ ...!
قلنا لكم
قلبي على وطنٍ
تناثرَ حُزنُه
شرقاً وغرباً
والفراشاتُ الجميلةُ
غِبْنَ في شَفَـقِ العَزَاءْ ...!

(3)
صَلَّى عليكَ الأنبياءْ.
صَلَّى عليكَ الأولياءْ،
فمَا وَرِثْنَـا
غيرَ أسبابِ الشقاءْ ...!
وكأنَّ ما كانَ المماتُ
يَشُقُّ ليلَ الصَّمتِ
يَرْفُلُ في البهاءْ ...!

(4)
خُذْني إلى العُشبِ الظَّليلِ
فقدْ رَمَاني الدَّهرُ
في غارٍ يُظَلِّلُ شمسَهُ
أرقُ الحياءْ...!

هذا ومَا زالَ
الفؤادُ على الضِّفافِ
يَزيحُ صَفصَافَ الشتاءْ ...!

أُمومةُ الأرضِ الرَّحيبة


أُمومةُ الأرضِ الرَّحيبة

(1)

أنا لنْ أبيعَ حقيقتي
مهما تطاولَ ليلُ هذا الصَّمتِ
فوقَ قِبابِنا الخضراءْ !
أنا لنْ أبيعَ حقيقتي
مهما تطاولَ
حزنُ خطِّ الارْتجاءْ !
أنا لنْ أبيعَ حقيقتي
مهما تطاولَ
حزنُ نخلِ الأستواءْ!
لكنَّني لا أحتملْ دمعَ البلادِ
يَغوصُ في الأحشاءْ !


(2)

خيَّرتُمُوني بينَ
موتٍ صامتٍ
ومُهَرِّجٍ يمشي
على الأشْلاءْ !

وطنِي الذي
ما إنْ رأيتُ
غًُلالةَ الحزنِ
التي رُسمتْ
على الهَدبِ ،
الذي رسمَ الإله،
ركَعَ الفؤادُ مهابةً،
صعدتْ بصائرُ
هِمَّتي نحوَ السَّماءْ !


(3)

أنا لنْ أبيعَ
أمومةَ الأرضِ الرَّحيبة!
أنا لنْ أُغيِّرَ جلدَ
أيامي الحبيبة!
سأظلُّ مثلَ الشمسِ
مثلَ اللَّيلِ والنُجمِ الطَّريبة
و تظلُّ أشعاري وأسْحاري
وصدق نبوءَتي،
سيفاً على الأعداءِ
والسُّفنِ السَّـليبة!

شكرًا لأعْداءِ النَّهارْ


شكرًا لأعْداءِ النَّهارْ

(1)

شكرًا لأعْداءِ النَّهارْ
شكرًا لمَنْ باعوا لنا
الدِّينَ المُغلَّفَ بالبُهارْ!
يا مَنْ سرقتم
لوحَ جَدِّي ،
واقْتسمتم بينكم
صدفَ البحارْ !

(2)

ماذا أقول لجَدَّتي:
يَبِستْ ضَراعاتي،
وكَفِّي ما يزالُ
على الجدارْ ؟
أأقول لللََّيلِ البهيمِ ،
يَلُفُّ خاصِرتي ويأويني:
أمِّنْ صبحٍ ،
يُنيرُ لنا الفَـنارْ ؟
ماذا أقول لطفلةِ الصَّبارْ
زنبقةَِ الكنارْ؟
أأقولُ للأرضِ القِفارْ
هذا زمانُك يا تتارْ ؟؟!

(3)

ضاقتْ مواعيني
وقد غَرُبَ النَّهار
هذا زمانك يا تتارْ!
إنِّي أنا الرَّبُّ
الذي خلقَ الجدارْ
إنِّي أنا الرَّبُّ
الذي خنقَ النَّهارْ
سأُذيقُكم نارًا بنارْ!
فأنا الذي أنشأتُ
مملكتيً على
نارِالمَجُوسْ،
وأنا الذي أخفيْتُ
زنبقةَ الكنارْ،
ثُمَّ أطبقتُ الحِصارْ!

مِقْصَلةُ الشَّـهيدْ

مِقْصَلةُ الشَّـهيدْ

(1)
ما هذه الدُّنيا التي
تقتاتُ مِنْ عمري
وتُطْعِمُني الثَّريدْ ؟!

مَا بالها الأحلامُ
تأخذُني إلى الأحلام ِ
تَقذِفُني على الأحلامِ،
ثم تركُضُ نحو
مِحْرقةِ الوعيدْ ؟!

هل تُدرِكُ الأحزانُ
هولَ تَحَسُّرِ الذِكرى
على الدَّمعِ السَّعيدْ ؟!

(2)
إيه على الذِّكرى..
تُشقشِقُ كالعصافيرِ البَهيَّةِ،
تنسِجُ الأنغامَ
للفجرِ الجَديدْ !
قدْ كنتُ في قلبِ الغُيُومِ
على السَّليقةِ أصطفِي
أحزانَ مَنْ شَادوا
الأرائكَ بالنَّشيدْ !
قد كنتُ أقْطِفُ
من ثمارِ العمرِ
سنبلةً من الأحزانِ
والفرحِ التَّـليدْ !


(3)
اسْترجعتني تلكمُ الأنسامُ
تَركُضُ بالبيارقِ
نحوَ مِقْصَلةِ الشَّهيدْ!

استعبدتْني تلكمُ الأنغامُ
تَهدِلُ كالحمائمِ
في سقوفِ العمرِ
تستبِقُ الجَديدْ!

(4)
هذا أنا...
أشتاقُ للذِّكرى
وتهزِمُني جُيُوشُ النَّملِ
واللَّيل العنيد!
هذا أنا...
اقْتاتُ من خمرِ التَّوحُّدِ
اسْتجيرُ برونقِ
الظِّلِّ المَديدْ !

هذا أنا....
لا تتركوني جائلاً
بينَ الموائدِ والمدائنِ
اقتفي ظلِّي وأحزاني
على الشفقِ البعيدْ !

أغنياتُ اللَّيلْ


أغنياتُ اللَّيلْ

كانتْ قُصاصاتي تُزيِّنُ جيدَها
والحرفُ مَدَّ الكَفَّ
في ألقِ النَّهارْ!

الأغنياتُ نسجتُها بالعطرِ
أحْكَمْتُ الشِراعَ،
مراكبي عَجْلَى،
مزاميري تُجادلُ خطوَها
المنثورَ في جُزرِ المحارْ!

في البدءِ كانتْ
أغنياتُ اللَّيلِ،
همهمةُ الرِّياحِ
على هديلِ الصمتِ،
شقشقةُ العصافيرِ الصغارْ!

يا حاطبًا باللَّيلِ
من أوتارِ عمرِكَ
تُولَدُ الأنغامُ
في شَدوِ الكنارْ!
بَعْثِرْ نشيدَكَ صادحًا
زلزِلْ مساماتِ
الدُّروبِ إلى المَسارْ!

يا طارقاً باللَّيلِ
إلا زيتَ قنديلي وظلي
حينَ تحترقُ الرِّحالْ !
قُلْ للمليحةِ تصطفيني خِلسةً
وتَهُشُّ عن خطوي
ذؤاباتِ الكلالْ !
يا ليلَ صبرِ الاحتمالْ ...
غَدتِ الحروفُ
نُقوشُها مصقولةً،
غَرَّاءَ تَمشي كالظِّلالْ!
وغَدوْتُ أرْتادُ التَّسكُّعَ
في مرايا العُمْرِ
أستبق الخيالْ!
وغدتْ حكاياتي
تُمَزِّقُ عَرْشَ هذا الاحتمالْ!
يا ليلَ صبرِ الاحتمال...
اليومَ جئتُك تائهًا
كَفِيَ من أثرِ التَّهجُّدِ
في حَنايا كفَّتيك،
صَرْعَى...!
صَرْعَى تُجادِلُني
على لهفِ المَآلْ!

أقِمِ اللَّيْلَ على غارِ حِرَاءْ !

أقِمِ اللَّيْلَ على غارِ حِرَاءْ !
(قصيدة للثورة السودانية)

(1)
سأُغنِّي هذه الليلةً شعرًا
لجموعِ الشعبِ والثُّوَّارِ
في ليلِ الفداءْ !
سأُغنِّي للملايينِ التي
أرهقَها الظلمُ
وأعياها البُكاءْ !
سأُغنِّي حينما
ترقُدُ أحزاني
على هَدبِ السَّماءْ !

(2)
أيُّها المجذوبُ في جُبَّتِهِ
أقِمِ اللَّيلَ على غارِ حِراءْ !
باسِلٌ إذْ هَبَّ من هجعتِه
زانَهُ اللَّوحُ على حِبْرِ البهاءْ !
ناعمُ الطَّرفِ، نديمُ الكبرياءْ
ضامرُ الخِصرِ إذا شَدَّ البَلاءْ !

(3)
قالتِ الأفلاكُ
في ليلِ النجومِ
أسرجِ الخيلَ
على خطوِ الظِّباءْ!
سأُغنِّي يا صِحابي
مثلما غنَّى
على الصحراءِ رُمْحي
جاثيـًا كاللَّيثِ
في قلبِ العِدَا!
سأُغنِّي يا صِحابي
مثلَمَا غنَّى "تهَارقا"
"للخيولِ الزُّرْق"
في ليلِ النِّداءْ !

(4)
سأُغنِّي للملايينِ التي
داستْ على الأحزانِ،
مرفوعي الجِباهْ!
سأُغنِّي للرُّعاةِ الظاعنينَ
وللمروجِ الخُضرِ
في ظلِّ المساءْ!
سأُغنِّي للجنودِ
الصامدينَ على
الثغورِ، على الفداءْ!
سأُغنِّي للقِبابِ الخُضْرِ
والدرويشِ والإبريقِ
في ليلِ البهاءْ!
سأُغنِّي للنخيلِ الشُّمِّ
في كرمةَ،
مأخوذًا بأحزانِ الإلهْ !
سأُغنِّي للجماهيرِ الَّتي
بايعها الرَّبُّ
وأضناها الحياءْ !

(5)
سأُغنِّي للفتى "الماظِ"
على المدفعِ،
مرفوعًا على
قوسِ الفِداءْ !
سأُغنِّي للصَّحابي "علي"
سكنَ النِّيلَ وحيَّاهُ السَّماءْ!
أعْطِني النَّايَ أُغَنِّي
للِفَتى النُّوبي
"مهدي" الإباء
كلَّما أسرفتُ
في (الرَّاتب) ليًلاً،
جندلَ القنديلُ أحزاني
وأحزانَ المساءْ!
سأُغنِّي بالرَّبابةِ
"للأميرِ السَّمهريِّ"،
لفتى الشرقِ،
وللأطلالِ في
ليلِ الغِـناءْ!
سامحوني أيُّها الأحبابُ
إنْ غنَّيْتُ في عشقِ الإلهْ
ودَعُوني،
لا تسوموني عذابًا
ليتَ شعري
كيفَ أحتمِلُ البُكاءْ ؟؟!

بَايعوني يا صِحابي
ودعوني أعْلِفُ الخيلَ
على نارِ المساءْ !!
بايعوني يا صِحابي
ودعوني أحمِلُ النِّيلَ
لشمسِ الأستواءْ !!
سأُغنِّي وأُغنِّي
وأُغنِّي وأُغنِّي
طالما كانَ على
الجَفْنِ حياءْ !!

الخرطوم أبريل 2008

شاهرًا ناري

شاهرًا ناري

(1)
لنْ تستكينَ عقيرتي
إنْ صِحْتُ في وجهِ النَّهارِ
وسائِري عاري!
لنْ تصطفيني أنْهرُ الأحلامِ
إنْ غنَّيْتُ كالبُلبلِ
مجروحًا ومصلوبًا
على غاري!

(2)
لنْ أنحني، لنْ أنحني
لنْ أنحني،
قلتُ الكلامَ
على السليقةِ قلتُ لكَ
لنْ أنحني،
أبصرتني يومَ الكريهةِ
شاهراً ناري!
لن أنحني
ثكلتك جيشُ العارِ
حينَ يقل مقداري!

(3)
لنْ أستكينَ بدارِ أمي
إنْ جفتني الدَّارُ
أسكنُ جُبَّتي
ثكَلتك أذكاري!

لنْ ترعوي،
حتى إذا
سَلبوكَ ضيَّ العينِ
تمشي كالقَطا
عينًاً على جاري!
لنْ تخمد بروقَ اللَّيلِ
إلا حينَ أسكُنُ
في الغيومِ
وينجلي ثأري!

(4)
لنْ أنحني.
إنْ ساوموني بالعشيَّةِ،
صادروا داري،
أحكمتُ مِسبحتي
ونظمتُ أشعاري!

لنْ تستبينَ جيوشُ
نَملِكَ ملمَحي،
حتى اذا
جاسوا خلال الدارِ،
أطفأتُ الشموعَ،
دلقتُ أحباري!
لنْ أنحني، لنْ أنحني
لنْ أنحني، قلت الكلامَ
على السليقةِ
قلتُ لكَ لنْ أنحني
أبصرتني يوم الكريهةِ
شاهرًا ناري!
لن أنحني
ثكلتك حقاً
أيها الشاري!

الخرطوم أبريل 2008

أنشودةٌ لأُمي

أنشودةٌ لأُمي

لا شيْءَ يوقظُني
من الأحلامِ
إلا قبرُ أُمِّي
صامتًا ما بينَ
أوكارِ الحمامْ !
كانتِ الأيامُ حُبلَى
حينَ جاءتْني
وساقتْني إلى
ظُللِ الغمامْ !

يا قبرَها
لمْ أحتمِلْ ظلِّي
الذي لازمني،
منذُ أنْ كنتُ غريرًا
لم أجدْ غيرَ السقامْ!
منذُ أنْ فارقتَني
يا ظلَّ أُمِّي
طارتِ الأحلامُ
عن داري
وأقلقني المنامْ!
يا قبرَ أُمِّي لا تدعْ
جيشَ العناكبِ
تنبشُ الشَّاهدَ
والسعفَ الذي
يحمي المقامْ!

كمْ تمنَّيتُ ضريحًا قربَها
كيْ أُناجيها وأسقيها
حكاياتِ الغرامْ !

صارتِ الأيامُ
بعدَكِ علقمًـا
ضاعتِ الأحلامُ
في جُبِّ الحطامْ !

كأسي بِلا رَاحٍ وكأسُك قاتلي!

كأسي بِلا رَاحٍ وكأسُك قاتلي!

(1)
ثَمِلٌ أنَا....
أبدو كربَّاتِ الحِجَالْ...!
أحرقتُ قافيتي
توارتْ أحرفي
ما بينَ قنديلِ الرِّمالْ...!

قال الخيالُ
لزِقِّ خمري هازئاَ:
هل أنتَ مصلوبٌ
على فننِ الشمالْ؟
هل انتَ نورٌ أم ظلالْ؟
هل أنت حلمٌ أم خيالْ ؟
ماذا أصابكَ
لا تجيبُ على السؤالْ؟!

ليتني مِتُّ
على عشفي سعيدًا
مثلما مات
الغفاريُّ وحيدًا
في "ثنيَّاتِ الكمالْ"!
أيُّها العاشقُ فينا
جئتَ شرَفت الخيالْ ..!

(2)
ثَمِلٌ أنا...
أبدو كمشكاةِ الرَّجيمْ ...؟!
ثَمِلَتْ فراشاتي المُضيئةُ
عندَ أستارِ الجحيمْ!
ذَبُلتْ ورودُ العمرِ
في الأسفارْ ،
أدركها الهشيمْ!
حبلتْ كؤوسُ العشقِ،
بالأسحارْ،
فارقها النديمْ!!
هل كنت مأخوذًا
كما الدرويش
في الجُبَّة،
مختالاً على
الجرحِ القديمْ ؟؟
أمْ أنَّني حقاً
سأبدوعندَ مولاي
كفتيانِ الرَّقيمْ ؟!!

(3)
ثَمِلٌ أنا..؟
أبدو كأسمَالِ اليتيمْ...!
لكنَّني أزهو
بعشقِ اللهِ
كالقطبِ العظيمْ!!
ثَمِلٌ أنا..
أزهو بنورِ اللهِ
كالمشكاةِ في المصباحِ
في ليلٍ بهيمْ!

رُحماكَ ربِّي
عاشقٌ ولهٌ سقيمْ!
رُحماكَ ربِّي
حالمٌ وجِلٌ ظليمْ!

كأسي بلا رَاحٍ...
وكأسُكَ قاتلي
رُحماكَ رَبِّي
أيُّها المَلك الرَّحيمْ!

إنِّي أخافُ من التسكعِ
في بلاطِ العاشقينَ
بلا صديقٍ او نديمْ!
رُحماكَ رَبِّي
أيُّها المَلك الرَّحيمْ!

إنِّي بليلِ العاشقينَ
رايتُ أحزاني..
وقدْ ثَمِلْت بأفياءِ النَّعيمْ !!

الوَالي ذو اللِّحية

الوَالي ذو اللِّحية

(1)
في الماضي
كنتُ أُعانقُ ظلِّي كالنخلةِ
خوفَ هجيرِ الرَّمضاءْ!
قد كنتُ أخافُ
من الوالي، ذي الّلحية،
حينَ يَغيرُ الليلُ
على رملِ الصحراءْ!

مضتِ الأيامُ
بلا ظلٍّ يأويني
من عَسسِ السُّفهاءْ!
وأفَقْتُ بليلي
والوطنُ الغالي
قد بيعَ بأمرِ الوالي
الوالي فينا، ذي اللّّّّّّّّحيةِ،
دونَ حياءْ!

أبتاهْ....
وطني قد بيعَ بدينارٍ
بمزادِ الخلفاءْ!
أبتاهْ....
وطني قد بيعَ
على مرأى الشُّهداءْ!
أبتاهْ ...
قدْ بِعنا الوطنَ
كما الأشياءْ!

(2)
ورجعتُ الآنَ
أعيشُ بلا والٍ
يرمُقُني كالقطِّ،
الآنَ أعيشُ
على استحياءْ!

في الماضي قالوا:
إنَّ الشمسَ تغيبُ
على الصَّحراءْ !
فلماذا ظلِّي يلفحُني
بحديثِ نفاقٍ ورياءْ ؟!

وطني إنْ بيعَ
على قَرْعِ الطَّـبْلِ
وأحلامِ السُّفهاءْ ،
يكفيني أنْ أسكنَ
وطنًا يغمُرُني
كالبدرِ بهاءً وصفاءْ!

(3)
أحبابي..
قدْ ضِقْتُ
بتأويلِ النصِّ
وتفصيلِ العلماءْ!
أحبابي
قد ضِقْتُ
بحَفِّ الشَّـاربِ
في الفجرِ
وتقبيلِ أيادي الخلفاءْ !
أحبابي
قد ضاعَ العقلُ
بتشذيبِ اللحيةِ
صيفًا وشتاءْ!

(4)
الآنَ أنا حُرٌّ
إلا مِنْ نفسي الحُرَّة!
أُمي حُرَّة
إلا مِنْ نفسٍ حُرَّة!
وأبي حُرٌّ
ما زالَ يعيشُ
بجُلبابِ الشرفاءْ !

فدعوني أقبعُ
كالظلِّ على
كتفِ الفقراءْ ؟!
فأنا منفيٌّ
منذُ ولدتُ
بقلبِ الصحراءْ !
منفيٌّ يَجزمُ
أنَّ الأرضَ سماءْ !
منفيٌّ يحلمُ
أنَّ الوطنَ ضياءْ !!

هَا قدْ غفوتُ على الصُّمودْ!

هَا قدْ غفوتُ على الصُّمودْ!

ألهبتُ حَنْجَرتي
بأصداءِ الرُّعودْ
كحَّلت أحزاني
بمِرْواَدِ الصُّمودْ
وسبَابتي أغمدتُها
في عينِ جبَّارٍ حَقُودْ!

يا أيُّها الباغي الذي
جاسَ خلالَ الدَّارِ
أفسدَنا وأوْرثنا القُعُودْ!
يا أيُّها الظَّالمُ والجاهلُ
والشِّريرُ والكاذبُ
يا أيُّها الجلاًدُ والراجفُ
والمثليُ والشيطانُ،
تلميذُ الجحودْ !
قم نلتفي وجهًـا
على قرعِ الصمودْ
قم نلتفي ثكلتْكَ لعناتُ الجُدودْ!

لم تبايعْكَ الجماهيرُ
التي مزَّقتَ لُحمَتَها
ولسوفَ لنْ ترتاحَ بعدَ اليومِ
من لطمِ الخدودْ!

أقْسمتُ بالقرآنِ
إنِّي ثائرٌ...
ثائرٌ في وجهِ
من خانوا العهودْ!
أقسمتُ بالإنجيلِ
إنِّي ثائرٌ في وجهِ
مَنْ بَاعُوا الحُدودْ!
أقسمتُ بالتوراةِ
إنِّي ثائرٌ في وجهِ
مَنْ باعوا الدِّيانةَ
بالدَّراهمِ والنُّقودْ!
أقسمتُ إنِّي ثائرٌ
في وجهِ من شادوا
الأرائكَ بالجماجمْ،
ثائرٌ في وجهِ
مَنْ شادوا السُّدودْ!
أقسمتُ بالسودانِ
إنِّي سائرٌ في الدَّربِ
اسْتَبِقُ الرُّعودْ!
أسمعتَ أنِّي قدْ غفوْتُ
على النضالِ
على الصمودْ ؟!
ها قدْ غفوتُ
على النضالِ
على الصمودْ
!

إكتمالُ البَدرِ في جَبْهةِ ثائرْ


إكتمالُ البَدرِ في جَبْهةِ ثائرْ

(1)
هذَا الذي بيني
وبينكِ ارتعاشاتٌ
تجىءُ وتحتويني!
دَلَفَ المساءُ
على المساءْ
وأنتِ تختبرُ
الدُّروبَ لتصطفيني!
ألَقٌ مِنْ الأسحارِ
يأخُذُني إليكِ
كما العبير
ويرتضيني!
ليتَ المسافاتِ المضيئةَ
تستبينُ ملامحي
ويسُوقُني
خطوي اليكِ
وتُبصريني!

(2)
إنَّ الذي بيني وبينكِ
وردةٌ مسقيةٌ
برحيقِ شاعرْ!
إنَّ الذي بيني وبينكِ
صاغَهُ الشعرُ الذي
صبغَ المشاعرْ!
هذا الذي بيني وبينكِ
قاله العُشَاق ،
قالوا:
"سلسبيلُ الحبِ
في تغريدِ طائرْ "!
هذا الذي بيني وبينكِ
قاله الحُكماءُ،
قالوا:
"إلْتِمَاعُ النورِ
في صدرِ الجواهرْ "!
هذا الذي بيني وبينكِ
قاله الثُّوَّارُ،
قالوا:
"إكتمالُ البدرِ
في جبهةِ ثائرْ !"
إنَّ الذي بيني وبينكِ
قالهُ الرُّهبانُ،
قالوا:
"شهقةُ القدِّيسِ
في حضرةِ حائرْ "!

يَا ليْلى ليلك جَنَّ!

يَا ليْلى ليلك جَنَّ!

(1)

هلْ أنا هابيلُ
أمْ قابيلُ
أم قَدحُ المُعَنَّى؟!
أو ربَّما...
شطحةُ شعرٍ
صاغها الجِنُّ وغنَّى!
او كما زاد قريني:
نمنماتٌ ونقوشٌ
جادها الغيثُ فجنَّ!

لا يَهُمُّ..!
لا يَهُمُّ الآنَ
إنْ جئتُ على
ظهرِ الأجنّة!
فاصْلبوني يا رفاقي…
اصلبوني فوقَ
هاماتِ المظنَّـة!
أو ذروني كرمادٍ
للرِّياح المُرجحنَّـة!

إنَّهُ شيطانُ شِعرِكَ
ليتَ شِعري
أيُّها القدحُ المعنَّى!

(2)

أين أُمِّي؟
أين أُمِّي،
تقرعُ الناقوسَ
تدمي كفَّها
وتئنُّ أنا ؟!

أينَ أقراني
ومَنْ شادوا
قصورَ الليلِ
حينَ أمِنَ منا؟!

بلْ أينَ أحبابُ الطريقْ،
ثغورُهم كاللؤلؤِ المنثورِ
حينَ أظن ظنَّـا!
وفتاتي أطلقت للرِّيحِ
أشرعةً ومزمارًا وفنَّـا!

شرشفاتُ الرَّملِ
آهٍ...
أينَ رملي وحُصُوني،
أينَ خَبَّأتُ
خيولي بالدُّجنَّـة؟!

(3)

يا لهذا اللَّيل
يرزخُ بينَ
مطرقةٍ وسِندانٍ وأنَّة!
إنَّنا نشكو اليكَ
أميرَنا وتضِن ضنَّـا؟!!

إنَّهُ قابيلُ كالجلاَدِ
ينصبُ في تُخُومِ الفجرِ
مشنقةً مِنْ
الشعرِ المُغنَّـى!


(4)

"يا ليلى ليلك جنّ"
وخيالي سكنَ الجَنَّـة!

"يا ليلى ليلك جنّ"
أحبابُكِ أهلُ الجَنَّـة!

"يا ليلى ليلك جنَ"
وصباحُكِ عبقُ الجَنَّة!

"يا ليلى ليلك جنّ"
ولباسي ثوبُ الجَنَّة!

"يا ليلى ليلك جنّ"
ونبيذُك خَمْرُ الجَنَّـة!

المَنفَى الحزينْ

المَنفَى الحزينْ

(1)

يا بلادي..
أنتِ في قلبي
وفي القلبِ دموعٌ
والتياعٌ وحنينْ!
يا بلادي..
أنتِ ليلٌ ونجومٌ وأنينْ!
يا بلادي..
أنتِ نيلٌ وورودٌ وحنينْ!

مَالَ قلبي مرةً ذاتَ اليمينْ
وتهاوى الشَّكُّ يَذروهُ اليقينْ!
كم تحمَّلتُ الليالي ذارفاً
وصرفتُ العمرَ في
الأسفارِ والمنفى الحزينْ!

غيرَ أنِّي لستُ هيَّابَ الوَغى
طالما سرتُ وأحبابي
على الدَّربِ الرَّصينْ!
ليتَني صرتُ
رسولاً للمَنافي
ريثما أرسمُ للعالمِ
أحلامَ الجنينْ !

(2)

عَجَبًـا لِهذا الشوْقِ
يأتيني ولا أقوى
على هجرِ السِّنينْ !
عَجَبًـا لهذا الحُبِّ
يشجيني بأنغامٍ
كأجراسِ الرَّنينْ!
مثلما عاهدتُّ نفسي
أن أُوَارَى في ثَـرَاكِ،
لم أبالي بالطغاةِ الحاكمينْ!
غيرَ أنِّي قد نُفِيتُ
بأمرِ والٍ،
قاسي القلبِ ضنينْ !
رغمَ أنِّي قدْ وهبتُ
العمرَ والأبناءَ حتَّى
يصدَحُ الحقُّ المبينْ !
وتناسيْتُ جراحي
ريثما أحفرُ
في الصَّخْرِ قُبُورًا
للولاةِ الظَّـالمينْ !
وتأسَّيْتُ بنخلٍ منْ بلادي
ريثما أعزفُ للغيدِ وللصبيةِ
ألْحأنا على الوترِ الحزينْ !!

لَسكنتُ كالأحلامِ في مُدنِ الغُـبارْ!

لَسكنتُ كالأحلامِ في مُدنِ الغُـبارْ!

(1)

ما كنتُ أوَّلَ
عاشقٍ لليلِ
إذْ مَا الليلُ،
يعلوهُ أنكسارْ !

ماعادَ شعري
قارئًـا للغيبِ
إنْ دلقَ النَّهارْ!

الليلُ ملحُ الشِّعرِ
مِلءُ السَّمْعِ
إنْ مَلكَ القرارْ !

(2)

يا عاشقي..
نصبَ التَّتارُ مشانقًـا
للنجمةِ العذراءِ،
والقمرِ المحاربِ،
والجنودِ العائدينَ
مِنْ الحصارْ!

وأنا وأنتَ..
فحيحُنا أفعى،
وأسْرأنا بروقُ الشَّكِّ،
مِسبحةٌ، وإبريقٌ
على جذعِ الفخارْ!

وأنا وأنتَ وكلُّنا:
هلْ يستقيمُ الظِّلُّ
والعودُ أنكسارْ؟!

لوْ أنَّني مَلَّكْتُ
كلَّ العاشقينَ
بشارتي،
لَسكنتُ كالأحلامِ
في مُدنِ الغُـبارْ !

الجزء الثاني - أشواقي تْولدُ في كرمة


أنا مَلكٌ كوشيٌّ
تاهَ بشفقِ اللَّيلِ
وجاسَ على الأعداءِ
بصحراءٍ ذهبيَّـة!
وضعتْني أُمِّي النوبيَّـة،
بجذعِ نخيلٍ قدسيَّة.
قذفتْني الأقدارُ
على صهوةِ
خيلٍ عربيَّة!
قصري بحقولِ النَّعناعِ
ومرْج عيوني!
أشواقي تُولَدُ
كلَّ صباحٍ في كَرْمَة!

حَقلُ أُمي

حَقلُ أُمي

عِمْ صباحًا حقلُ أُمِّي
عِمْ صباحًا أيُّها الغَارقُ
في لجِّ الضَّبابْ!
إنَّني يا حقلُ
ظمآنٌ كمَا العيس
وصحرائي يَبابْ!
كلَّما أسدلَ الليلُ جفوني
أطلقُ الخيلَ لترعى
ثمَّ أقتاتُُ على شطِّ السَّرابْ!
فدعوني أيُّها الثُّوَّارُ
أرتادُ الرّصافةَ
أنظمُ الأشعارَ
في الوالي
على جسرِ السَّحابْ !

على نارِ الهزيمة

على نارِ الهزيمة

لا تقولوا إنَّني مِتُّ
كأحزاني على نارِ الهزيمة!

إنَّني مَا مِتُّ يومًا
إنَّما ماتتْ من الأحزانِ
أفياءُ الغنيمة!

يا إلهي طائفٌ يسكنُني
وغيومٌ تحتويني
ورعودٌ تلتقيني
بالأناشيدِ القديمة!

ذاتَ يومٍ ...
فاضتِ الأحلامُ
بالكأسِ،
رمتْني كالأبابيلِ،
بأحجارٍ هميمة!

فسمعتُ اللَّيلَ يَتْلُو
سورةَ التوبةِ فجرًا
والقناديلُ أضاءتْ
ليلَ أذكاري
وأورادي الحميمة!

كندا 3 يونيو 2008

شوارعُ الأحلامْ

شوارعُ الأحلامْ

فلِماذا..
في شوارعِ الأحلامِ
بالذَّاتِ على
تلكَ الشوارعِ،
أستبيحُ كهولتي
ويحفُّني ألقَ الشبابْ؟!

ولماذا كلَّما أهربُ
من ذاتي لذاتي
تصطفيني الرُّوحُ
تلقيني على
قِممِ السَّحابْ ؟!

يا إلهي...
ألِهذا صافحتْني
الأنجمُ الزَّرقاءُ
دثَّرَني مِنْ
البردِ الضَّبابْ ؟!

ولماذا كلما
أرخيْتُ ظنوني
جادَ عقلي وجنوني،وإرتوى حقلي اليَبابْ ؟!

أشواقي تُولَدُ في كَرْمَة

أشواقي تُولَدُ في كَرْمَة

في اليومِ العاشرِ من نيسانْ
غمرتني الذِّكري.
قذفتْني أشواقُ التأريخ
على شطِّ خيالي!


كنتُ على الشُّرفةِ وحدي
أتأمَّلُ شهقةَ ليلِ
الطَّبلِ على قيثاري
قيثاري، أحزاني.
أحزاني كانتْ
كبُغاثِ الطيرِ
على أشجاني!
والقلبُ يفِرُّ
من القلبِ إلى القلبِ
إلى أوتارِ جناني!

قَوْمي قذفوني بالأزهارِ
وسامُوني بالعنبرْ!
حُرَّاس الرَّبِّ
على الرّدهاتِ،
وعلى الرَّبوةِ
أنغامي تتبخترْ !
أُذني صارتْ تُبصِرْ..
عينايَ كعينيْ نسْرٍ مُدبِرْ..
وطفَقتُ أُحدِّقُ كالورقاءِ
عيني تَرْمُقُني،
لكني لا أُبصِرْ!


جاءوني بالطَّبلِِ
وبالدُّفِّ وبالمزهرْ.
عمدني الرَّبُّ
بوادي عبقرْ!
روحي في
الحضرةِ تزأرْ !
أخذوني من
أريكةِ النّسيانِ
إلى قَبوِ المَرمرْ !


سَبحتْ قدماي
على مولاي.
"آمون" إله الماءْ ..
عليكَ توكَّأتُ.
قُدَّاسُكَ يأسرُني.
بعرشِ مياهِك
أقسمتُ وصلَّيت
بجلالِ النيلِ توشحتْ!!
سجدتْ عينايَ لمولايْ
"رع"، إله الشَّمسْ ..
معشوقك مأخوذٌ بالنسيانْ!
من أينَ أتيتُ
فلا تنساني.
وكيفَ رماةُ الحَدَقِ
على الأفنانِ؟!
وأين تخفيتُ
فلا تلقاني.
اخذتني
العِزَّةُ بالغثيان!


إهتزَّ فؤادي
ما داريتْ..
فجلستُ أُحدِّقُ
في غَيمِ الشمسِ
تواريتْ!

هل ما زالَ الناسُ
على الفطرةِ
يرعونَ الخيلَ
على تَـلِّ الزعترْ؟!
فاضَ اللهُ
على نهرِ فؤادي
فتوضَّأَ قلبي،
صليتُ...
وصليتْ!

أنا مَلكٌ كوشيٌّ
تاهَ بشفقِ اللَّيلِ
وجاسَ على الأعداءِ
بصحراءٍ ذهبيَّـة!
وضعتْني أُمِّي النوبيَّـة،
بجذعِ نخيلٍ قدسيَّة.
قذفتْني الأقدارُ
على صهوةِ
خيلٍ عربيَّة!

قصري بحقولِ النَّعناعِ
ومرْج عيوني!
أشواقي تُولَدُ
كلَّ صباحٍ في كَرْمَة!
كَرْمَـة تعرفُها يا رَبُّ ؟
كَرْمَـة ذاتُ الشامةِ
والأشجانِ الكوشيَّة!!


قصري يتَّكِيءُ
على عرشِ
مياهِكَ يا "آمون"!
ينبوعٌ يأخذُني
منكَ اليكْ !
عمدني الرَّبُّ
على نغمِ" الكنداكات"
فغفوتُ على
الأحلامِ الورديَّـة!!


كانَ الليلُ ينامُ
على الأغصانْ.
والقلبُ يفيضُ
على الأحزانْ.
ألجمني يا ربُّ…
ألجمني ...!
ما زالتْ خيلي قُزحيَّـة
وسهامي عندَ
الفجرِ خُلاسيَّـة!
كان الكونُ
يضج على الأغصانْ!
والرَّبُّ يصافحني
بأيادي اللهِ وبالقرآنْ !
أشتعلَ التأريخُ
على الأفنانْ !
وما أبقيتُ من
الدنيا الا النسيانْ !


ما زالتْ أحزاني
في الليلِ ظلاميَّة!
أحجاري من
قلبِ المرمرِ
ونبيذي من
تمرٍ مخفيَّة !


"تَهراقا"...
يا ملكَ الصحراءِ النوبيَّـة
أعْلِفْ خيلَكَ ألجمْها
فالخيلُ على
"طِيبة" مسجيَّـة !


"تهراقا"...
يا ملكَ الصحراءِ النوبيَّـة
خُذْني من بيْدَاءِ العمرِ
إلى صهواتِ العزِّ الملكيَّـة!
حَرِّرْ مَنْ كَانَ على قيدِ الظُّلْمِ.
حرِّرْنا بالرُّمْحِ على أنغامِ
دفوفِ نوبيَّـة !

وبقلبِ اللَّيلِ
وقفتُ على الرَّبوةِ
كالسَّيفِ القُرَشيِّ:
أنا ملكٌ كوشيٌّ تاهَ
بشفقِ الليلِ
وجاسَ على الأعداءِ
بصحراءٍ ذهبيَّـة !
لا أملكُ في الدُّنيَـا
إلا أشواقَ التأريخِ
وهذي المسبحةَ الصُّوفيَّـة!
خيلي يقتاتُ على الطيرِ
وليلي يرتاحُ
على بلداتِ
اللهِ المنسيَّـة!!

مَلْحمَةٌ للِوطَنْ

مَلْحمَةٌ للِوطَنْ

(1)

لا تَحْزَنْ مثلى يَا مولايْ
لا تَحْزَنْ مِنْ صَحراءِ التِّيهِ وجورِ السلُطْان!
اِضْرِبْ بعصاكَ اللْحظَةَ جوفَ البحرِ
خُذْنا مُقْتَدِرًا كالبرقِ الخاطفِ نحوَ الشطآن
خَبِّئْنا بينَ النَّهرِ وبينَ الوَرْدِ وغاباتِ الرَّيْحانْ!

(2)

حينَ أتاكَ الليلُ بناحيةِ العتْمورْ،
زَحَف النِّيلُ وسار الجمعُ
وسِرْنا نحوَك تسبِقُنا الخُطُواتْ
وبلِيلٍ يُخْفى أسرارًا
تحتَ خُدُودِ النَّجماتْ،
كُنْتَ بقلبِ العصرِ وحيدًا و شهيدًا
تُوفى الكيلَ وتُقْرِي الضَيْفَ
ولا يُظْلَمُ أحدٌ عندكَ يا مولاي
آهٍ لوْ ألقاكَ وحيدًا تَقتُلُني الكلماتْ!
ما ضَرُّك يا مولاي
إذْ مَا أقبلْتَ علينا ذاتَ صباحٍ
مؤتلقَ الوجْهِ،
سليمَ الخاطرِ، مُتّسِقَ الوجدانْ
وطفقْتَ تُغنِّى للخُرطوم
تَتَغَزَّلُ في الفاتنة أُمدرمانْ!

ودَلفتَ بليلِكَ هذا
مُنْطَلِقًـا كالسَّهمِ النُّوبيِّ
قُبَّالةَ كَرْمَةَ،
كُنْتَ تُشِعُّ ضياءً تُومِضُ بَرْقًا
وتهَارقَا يدعوكَ الليلةَ
بنخبِ نبيذٍ نوبيٍّ
بالقصرِ الملكيِّ الكائِن،ِ
بينَ طَلُولِ العصرِ
وفوقَ قِبابِ الأزمانْ!

وبليلِكَ هذا أسْرجتَ الخَيْلَ لِعَبْرِي
تِلك الحَسْناءِ المَلأَى بالأسرارْ
ولُقْمانُ العَبْريُّ الخَالِصُ،
كان يوزِّعُ حِكمتَه
مِثْلَ حكيمٍ نوبيٍّ آخرَ،
يَرتَشِفُ العَرَقَ الأبيضَ مُنْتَشِيًا
ويُغَنِّى للفجرِ الحالِمِ بالَطَّمْبُورْ !

(3)

ما ضَرُّكَ يا مولاي
إذْ مَا أقْبَلَ شَرْقٌ نحوكَ بالدُّفِّ
وبيسُراه السَّيفُ، ويُمناه سواكنْ
يَرْتَشِفُ القهوةَ بالهيلْ،
مَمْشُوقَ القامَةِ طارَ إليك،
تَحْكِي مَشْيَتُه دِقْنَةَ عثمانْ!
كَأنَّ القادِمَ في ظُلَلِ غَمَامٍ،
كصلاةِ الفجرِ، بهاءً وحُضُورْ!
كالقاشِ الصّاخبِ حينَ تَجِفَّ الوديانْ
كجبالِ التَّاكا وسواقي توتيلْ،
كالمارِدِ طُوكَرْ، حينَ تغازِلُها الرِّيحْ،
كجبينِ الشَيْخِ الخَتْمِ الصُّوفِيِّ،
كأنَّ القادِمَ نحوَك يمضي
لِيَشُقَّ تلالَ الشَرْقِ بسيفٍ قُرَشِيّ!

(4)

ما ضَرُّكَ يا مولايَ
إنْ جاءتْ مَِلِّيطُ تُغَنِّي
خَرَجَتْ من تحت عَباءَتِها أُنْثَى
تَنْتَقِشُ الحِنَّاءَ بيُمْناها
وبِيُسْراها تُخْفِي قلبَ حبيبْ،
إذْ سَاَفَرَ عصرًا كالشَّفَقِ الأَحْمَرِ
نحوَ بلادٍ لا تعَرفُها،
ومدائِنَ أخْرى غَارقةٍ في الأحْزَانْ!
ما ضَرُّكَ يا مَوْلايْ
لو كانَ العُمْرُ فَسيحًا في مِحْرابِكَ،
أو كُنَّا بالحَضْرَةِ
مُنْقَسِمينَ على الذَّاتِ ومجذوبينْ،
وبَعثْتَ بهُدْهُدِكَ العَارفِ بالبُلدانْ،
ليُنَقِّبَ عن ذاكَ العاشِقَِ، يُحْضِرَه مَخْفُورًا
ليُقَبِّلَ عينَ المحبوبْ،
ويَسْقِيهَا خمرةَ (باخوسْ)
لأنَّك يا مولاي
ترومُ الحبَّ وتهفو للإحْسَانْ !

(5)

هلْ جاءكَ بعضُ حديثي
عن طِفْلٍ تُورِقُ عيناه بروقـا
وقفَ نحيلاً في مِحرابِكَ
يَشكو من رَعْدِ الأيَّام و شُحِّ الدُّنْيَا
فَقْرَ الخاطِرِ يَشْكُو وضُمُورَ الوِجْدَانْ
وبِخَصْرِ الأيَّامِ تَعلَّقَ
يحكِي دومًا سِيرَتَهُ
فَيُبَّكي الغُرَبَاءَ، ولا نَبْكي
يَبْكِي ظُلْمَ ذوِي القَُْربى،
يَفْتَرِشُ الأحزانْ!

مِنْ بينِ ثنايا الكوخِ المَهْجُورْ،
يَخْرُجُ بَرْقٌ مِنْ دارفورْ،
يُزَلْزِلُ عَرْشَ الدُّنْيَا،
تبدأُ ثَوْرَتُها من عِنْدِ سلاطِينِ الفَوْرْ،
الثورةُ ضِدَّ الظُلْمِ و ضِدَّ القَهْرْ،
الثورةُ ضِدَّ فَسادِ السُّلطانْ!

(6)

ما ضَرُّكَ يا مولايْ
لوْ أَنَّ العَيْنَ تُكَحِّلُهَا
من لونِ (الأَبَنوسِ) ورائحةِ )الأنانَاسْ(
إذْ كُنْتَ تُهِيمُ بتركاكا وتُغَنِّي:
"من نَخلاتِكِ يا حلفا للغَاباتْ ورا تِركاَكا"
ودَلَفْتَ تُحَدِّقُ
في الوادي الأخضَرِ مُنْتشِيًا
لحقولِ الباباي ولِلْبَفْرةْ!
مَا ضَرَُّكَ يا مَوْلايْ
لوْ أنَّ العُمْرَ طويلٌ فى مَلَكَالْ
لَوَهبتُ قطيعَ الثّيرانِ
مُهُورًا للفاتنةِ السَّمراءْ
وكَسَوْتُ الغابَةَ باللؤْلُؤِ
ونفيسِ المُرْجَانْ!

(7)

يا وطَني الشامخَ مِثلَ جبينِ الشَّمْسْ،
إلي محرابِكَ آتي كالدَّرويشْ،
تركُلُنِي الأرجُلُ بالطُّرقاتْ،
بالطُّرقاتِ أُؤذِّنُ مِثْلَ بِلالَ
وأُردِّدُ في سِرِّي مَا قالَ الحَلاَّجْ :
"مَا في هذي الجُبَّةِ غَيْرُ الله"
أفْنِي ذاتي في ذاتِكَ، في ذاتِ الله !
وحينَ تَوَّحدَ عِشْفي في ذاتِك
رأيتُ نبيَّ اللهْ!
ورَشَفْتُ القَهْوَةَ في حَضْرَتِهِ
خَلَعْتُ رِدَاءَ العَصْرْ،
وتَوشَّحْتُ ثِيابَ العِزَّةِ،
ثم لَبِسْتُ حَريرَ العِـرْفانْ!