الثلاثاء، 10 مايو، 2011

لقاء جريدة الإهرام المصرية بالشاعر عبد الإله زمراوي أجرت اللقاء أسماء الحسيني

لقاء صحفي بجريدة الإهرام المصرية مع الشاعر عبدالإله زمراوي
الشاعر السوداني الكبير عبدالإله زمراوي صوت الوطن وشاعر الغضب النبيل‏:‏
وهبنا الله وطنا عظيما وشعبا محبا فريدا ولكن الساسة تكالبوا عليه
تمزيقا وتفتيتا حتي انشطر من الآلام
أجرت الحوار‏:‏ أسماء الحسيني

الشاعر عبدالإله زمراوي شاعر وقانوني سوداني وقاض سابق‏.‏ هاجر للولايات المتحدة في يناير‏1990,‏ ويستقر الآن بمهجره بشلالات نياجرا بكندا‏.‏ صدرت له حتي الآن أربعة دواوين شعري‏:‏ سيوف الجفون الصادر عن مطابع الجزيرة بودمدني‏(1986),وصهوة العمر الشقي الصادر عن دار عزة‏/‏ مدبولي‏(2007),‏ وأغنيات الليل الصادر عن دار بعل للطباعة والنشر بدمشق‏(2008),‏ وطبل الهوي الصادر عن دار بعل للطباعة والنشر بدمشق‏(‏ يناير‏2010),‏ وتقوم الآن دار شرقيات بالقاهرة بإعادة طباعة ديوان أغنيات الليل طبعة ثانية بالتزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب‏.‏

قدم له الشاعر السوداني الكبير محمد المكي إبراهيم في ثلاثة دواوين شعرية‏,‏ واصفا إياه بالشاعر الجدير بالقراءة‏,‏ والجدير بالاستقرار في حافظة الجمهور القارئ‏,‏ ويقول عنه أيضا‏:‏ هكذا يغدو هذا الشاعر صوت الوطنية في زمن الصمت‏,‏ وشاعر الغضب النبيل في غيبة الوطن الممتدة‏.‏ إنه شاعر جدير بالقراءة‏,‏ وجدير بالاستقرار في حافظة الجمهور القارئ‏.‏

وقال عنه والسودان في مفترق الطرق‏:‏ علي أنغام زمراوي العذبة نشد الحزام علي جراحنا وأحلامنا‏,‏ فإن تكن الغلبة للأولي فإن ألحانه الجنائزية تصاحبنا ساعة الرحيل وتذهب عنا وحشتها الباهظة‏,‏ وإن تكن الأخري فإن أنغامه ستكون نشيد انتصارنا‏,‏ والمارش البروسي الذي نمضي علي إيقاعه إلي سماء الحرية اللا محدود‏.‏

أما الشاعر العراقي صباح الفحام فقد وصف حاله وهو يقرأ عبدالإله زمراوي قائلا‏:‏
رحت أغوص في أعماق المعاني وأبعادها وشعوري في تلك الحالة أن روحي حلقت مع الفكر في سماء الإبداع الرحب الذي زانته كواكب الكبرياء والتحدي التي اخترقت أشعتها ظلمات كل البدن‏!.‏
هذا ما قاله عنه شاعران في قامة محمد المكي إبراهيم‏,‏ وصباح الفحام‏.

فماذا يقول هو عن تجربته الشعرية والإنسانية في ثنايا هذا اللقاء؟
تجربتي الشعرية هي بعمر الوعي الباكر الذي اكتسبته منذ الطفولة‏,‏ فقد كنت أحس آنذاك بأن هنالك ثمة شيء في الأفق البعيد أراه ولا أعرف كنهه‏,‏ وبقي هذا الشيء يزاورني من وقت لآخر‏,‏ في أحلامي أو في يقظتي‏,‏ ثم تبينت عند اكتمال نضج العاطفة عندي أن ذلك الشيء كان ما يسمي بالشعر‏.‏

في البدء تهيبت هذا الشيء الغامض وكأنني رسول ما تتنزل عليه نصوص غامضة‏!‏ وآثرت ألا أنشر ما نظمته من تلك الأشعار إلا بعد توهجها ونضجها‏.‏ كنت أعمل قاضيا في ذلك الوقت‏,‏ وأتذكر أنني سعيت حثيثا لمقابلة سعادة السيد رئيس قضاء السودان‏(‏ مولانا محمد ميرغني مبروك‏)‏ مستفسرا عن أي أثر سالب علي مستقبلي المهني إن غامرت وطبعت ديوانا شعريا‏,‏ وقد فوجئت عندما استحثني وشجعني علي النشر بعد أن قرأت بين يديه أشعاري من ديواني الأول سيوف الجفون‏,‏ وقد ذكرني بالشاعر العظيم والقاضي السابق والسياسي الحصيف محمد أحمد المحجوب رئيس وزراء السودان الأسبق‏,‏ الذي كان ينظم درر الشعر وهو جالس في منصة القضاء في السودان‏.‏ كان ذلك الديوان المتواضع بداياتي الشعرية‏.‏

ثم تفرقت بيني وبين الشعر السبل عندما تم فصلي بواسطة سلطة الإقاذ في بداياتي فصلا تعسفيا فهاجرت مع آلاف السودانيين للخارج وتخيرت من بين الناس أمريكا الشمالي وقلت لنفسي من هنا أدخل منفاي‏,‏ ومنذ عام‏1990‏ وحتي عام‏2007‏ نسيت أو تناسيت مسألة الشعر تماما وأنا ألهث في الأرض الجديدة حيث عملت في مكتب للمحاماة في العاصمة واشنطن‏,‏ وفي عام‏2007‏ ودونما مقدمات طفح كيل الشعر بركانا‏,‏ وغدت حياتي مسكونة به وفيه‏.‏ كنت أنظم في تلك الفترة المجنونة ثلاث قصائد في اليوم ولم يتوقف هذا البركان حتي الآن وإن خفت حدته وغدوت خائفا بعض الشيء منه‏.‏

في عام‏2007‏ دفعت بكتابي الثاني للمطبعة صهوة العمر الشقي ثم قبل أن يقرأه الناس دفعت بالثالث أغنيات الليل الذي تمت مصادرته من قبل دولتين عربيتين بحجة احتوائه علي إيحاءات سياسية ودينية‏,‏ الشيء الذي أحزنني كثيرا‏,‏ وكذلك تم حجب كتابي الأخير طبل الهوي الصادر في‏2010‏ في نفس هاتين الدولتين‏,‏ وقد تفطنت في غمرة أحزاني بأن الجمهور صار يتابعني والتف من حولي محبين كثر يشدون من أزري واقترحوا أن أستخدم النشر الإلكتروني كوسيلة للوصول للقارئ‏,‏ وهكذا بدأ الناس يقرأون ما أكتبه من أشعار‏, آثرت أن أورد كل هذا لأبين لقرائكم الكرام أن تجربتي الشعرية قد بدأت مبكرا مرحلة الكمون‏,‏ ثم فاض الكيل فنشرت متأخرا‏,‏ وفي انهاية والبداية أترك الحكم للجمهور القارئ‏,‏ وللنقاد في تقييم تجربتي المتواشعة‏.‏

‏*‏ حدثنا عن نشأتك وطفولتك الباكرة‏.‏
شكرا سيدتي علي هذا السؤال‏..‏ فقد نشأت في بيئة يغلب عليها التواد والتراحم في قرية تسمي كرمة علي الضفة الشرقية للنيل وكرمة هذه هي عاصمة الكوشيين الذين حكموا السودان ومصر الملك النوبي تهارقا‏,‏ وهي أولي العواصم الحضرية والإدارية في العالم‏,‏ والبيئة في كرمة هناك تأخذك بالسحر الكامل‏,‏ فمن مشاهدة الآثار النوبية كالدفوفة إلي مسامرة أشجار النخيل إلي مراقبة النمط الاجتاعي البسيط بدهشة تامة حيث التداخل السلس بين النوبيين والمصريين الذين يقطنون تقك القرية منذ آلاف السنين‏,‏ لا فرق بينهم البتة في التقاليد والعادات‏, وبين هذا وذاك فقد كنت مولعا أيضا بزيارة قباب الأولياء الأجداد‏,‏ بدءا من قبة جدي الشيخ زمراوي الولي‏,‏ وانتهاء بحضور حلقات الذكر‏,‏ وليالي المولد النبوي الشريف التي كان يحييها أهلنا من صعيد مصر‏.‏ كانت الحياة تسير هينة سهلة‏,‏ وكان الناس محبون وعطوفون وحييون ويكادون أن يصبحوا ملائكة من فرط الطيبة‏.‏

‏ *‏ جئت إلي اللغة العربية من بعيد أستاذ زمراوي‏,‏ إذ تعلمتها كسائر أبناء منطقتك في المدرسة‏,‏ ولم تكن لك لغة أم كما يقول الفرنجة‏,‏ من أين لك كل هذه الجزالة والصفاحة والجدة في اللغة التي تفاجأ بها من يقرؤك حتي ليخيل إليه أنك تبتدع اللغة ابتداعا؟
شكرا علي حالوة وطلاوة السؤال‏..‏ سئلت هذا السؤال كثيرا حيث إنني نوبي قح‏,‏ لنا لغتنا القديمة‏,‏ وهي اللغة النوبية‏,‏ وهي مكتوبة الآن لمن أراد دراستها‏.‏ كان النظام التعليمي في السودان مضرب الأمثال في المنطقة العربية‏,‏ بحيث ينشأ الطفل منذ المرحلة الابتدائية متحدثا باللغة العربية ولبقا‏(‏ عكس ما يشيعه البعض عن أهل السوداهن‏),‏ وفوق هذا وذاك فإن ارتباطنا التاريخي والقرب الجغرافي والوجداني لمصر أتاح لنا نحن النوبيين أن ننهل من معين مبدعي الجارة الشقيقة‏,‏ وكنا نتسابق لنتحصل علي مجلات روز اليوسف والهلال وصباح الخير‏,‏ وكنا أيضا نحفظ أشعار الشاعر الكبير أمل دنقل‏,‏ وصلاح عبدالصبور‏,‏ وأحمد عبدالمعطي حجازي‏,‏ وفاروق جويدة‏,‏ وكنت مغرما أيضا بأشعار أمير الشعراء أحمد شوقي‏,‏ وشاعر النيل حافظ إبراهيم‏.‏ فالثقافة العربية بلغتها الرصينة كانت غير بعيدة عن تشكيل الذخيرة عندي‏,‏ وكان ذلك حال معظم أهل السودان‏.‏

‏ *‏ يقولون إن طفلا أو شيئا من طفل يختبئ داخل كل شاعر ومتذوق للشعر‏,‏ وإنه يمثل له مصدر الدهشة الذي لا ينتهي‏,‏ ما الذي تبقي من ذلك الطفل النوبي في نفس عبدالإله زمراوي؟
تناولت كثيرا هذا الطفل المخبوء في داخلي في العديد من القصائد التي نظمتها‏,‏ فقد نشأت في بيئة رطبة فيها النخل الباسق‏,‏ والنيل الخالد‏,‏ ومازالت دهشتي الأولي تتملكني بين حين وآخر وكأنني طفل صغير‏,‏ وقد أري نفسي عديد المرات‏(‏ في أحلامي‏)‏ وكأنني عدت لقريتي الوادعة من ساحة المولد النبوي الشريف ومعي أختي‏,‏ ومنذ أن غادرت مسقط رأسي‏(‏ كرمة البلد‏)‏ للدراسة‏,‏ ومن ثم العمل بعيدا عنها‏,‏ لم أحلم للحظة واحدة بمكان آخر سوي موطني‏,‏ وكم سخر مني الأصدقاء عندما كنت أحدثهم عن ذلك‏,‏ مما حدا بي أن أنظم هذه الأبيات‏:‏
لا تسخروا مني
إذا ما جئت أحمل
ذرة من رمل قريتنا
أعفر في لآلئها جبيني‏!‏
أو فلنقل‏:‏ إن جئت
أحمل حفنة من
تمر قريتنا أمرع
في روائحها حنيني‏!‏

*‏ الشعراء كما يقولون نوعان‏:‏ نوع يطارد القصيدة ونوع تطارده فمن أي النوعين أنت؟
دوما تطاردني القصيدة كما يطارد الصياد طريدته‏.‏ فأنا الطريدة أو قل الضحية‏.‏ لا أملك إزاء هذا القدر شيئا سوي تلبية رغبته‏.‏ وقد صار الشعر عندي وكأنه أسير نفس يأتي متثاقلا ليقول علي لساني‏.‏
ما بين مسراي ومنفاي
رهنت قصيدتي
ونقشت قافيتي
علي رمل البكاء‏!‏
ثم يقولني مرة أخري‏:‏
وحملت مسغبتي
علي خطوي
وطفت علي البسيطة
من أقاصي الثلج‏,‏
جملت المكان‏,‏
عزفت ألحاني وأشعلت البكاء‏!‏
ثم إنني أصبحت أخشي علي نفسي من الهلاك عندما أشرع في كتابة الشعر الباكي أو الغاضب‏.‏

-‏ كيف تتخلق القصيدة عند عبدالإله زمراوي إذن وكيف يحس مخاضها؟
لا أعرف والله كيف تتخلق القصيدة عندي لكنني اوردت في بعض قصائدي‏,‏ فإن المخاض الشعري عندي أكاد لا أصفه بالكلمات بل قلته شعرا‏:‏
ياإلهي طائف يسكنني
وغيوم تحتويني
ورعود تلتقيني
بالأناشيد القديمة‏!‏
ذات يوم‏..‏ فاضت
الأحلام بالكأس
رمتني كالأبابيل‏,‏ بأحجار هميمة‏!‏

ما الذي تمثله حالة الاستسلام للشعر عند زمراوي؟ هل هي لحظة زهو أم انكسار؟
هو زهو وانكسار وبينهما ترقد كلماتي‏:‏
مابين عاطفتي الفطيرة
وانكسار العمر
مئذنة البكاء‏!‏
أدن وقل حيوا
علي الصبر
وغنوا اغنيات الموت
وافترشو العزاء‏!‏
لا تسلني أيها القديس
عن أمي التي
قد أودعتني
عند سقف ظل يحرسني
يطل علي السماء‏!‏
لاتسلني عن بلاد كنت أطعمها
كعصفور بمنقاري فعافتني
ونامت في العراء‏!‏
لا تسلني عن حبيب
أو قريب كلهم
يبكون في شعري
وقد سكت الغناء‏!‏

‏*‏ كيف ترتب هواجسك الشعرية وكيف تسوي شعثها وأنت القانوني بالمهنة‏,‏ المشطور بين منطق القانون المنضبط وصوت الشعر المتفلت من كل عقال؟
أكون دائما في منزلتين منزلة القاضي الذي يزن البينات ويرجح فيما بينها كما كنت أفعل سابقا أثناء عملي بالقضاء‏,‏ ثم أدرك سريعا بأن سلطان الشعر قد تملكني فأجثو بركبتي نحو المنزلة الثانية ليأتي حكمي في نص شعري دون أن ينتقص ذلك من عدالته‏(‏ الحق والخير والجمال‏).‏

‏*‏ تتكرر مفردة الوطن في قصائد ودواوين زمراوي حتي تكاد تكون الناظم الأعلي بين كل ما أنتج ما الذي يمثله الوطن بالنسبة لك؟ وما هو موقع الغربة في علاقتك به خصما وإضافة؟
لا أغالي إن قلت لك بأنني لا أنظم الشعر العاطفي أو الوجداني إلا لماما‏,‏ وكنت اردد دوما ومازلت بأن لا حب في زمن الكوليرا فهذا العهد الغيهب الذي ماانفك يخنقنا بأزماته البالغة وقيمة السياسية والأدبية والإنسانية المنحدرة لايترك لي أو لأي شاعر حقيقي موجوع مجالا ليبث لواعج حبه لهذا الكون المنبسط‏(‏ الخالي من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون‏)‏ أو تدبيج كلمات غازلة لامراة أحببت عينيها أو لوردة شممتها فسحرك عطرها أو لتغريد طائر الكنار في أيكه أو لزنبقة كنا نجري وراءها في الحقول‏,, لقد عدت للوطن يا سيدتي بعد غيبة طويلة‏,‏ كنت خلالها منفيا‏,‏ ووجدت خرابا هائلا ومدويا وموجعا يكتنف أرجاءه الأربعة‏.‏ الحكام عندنا للأسف يمتطون أحصنة جامحة دونما ألجمة تحجمها وهم في سباقهم الجنوني‏,‏ أحرقوا الحرث والنسل كشأن التتار وكل ذلك باسم الله والدين‏,‏ فشكرا لهم بعين دامعة وفؤاد يتفطر‏.‏
شكرا لأعداء النهار
شكرا لمن باعوا لنا الدين
المغلف بالبهار‏!‏
يا من سرقتم لوح جدي‏
واقتسمتم بينكم
صدف البحار‏!‏
ماذا أقول لجدتي‏:‏
يبست ضراعاتي‏,‏
وكفي ما يزال
علي الجدار؟
أأقول لليل البهيم‏,‏
يلف خاصرتي
ويؤويني‏:‏ أمن صبح‏,‏
ينير لنا الفنار؟
ماذا أقول لطفلة
الصبار زنبقة الكنار؟
أأقول للأرض القفار
هذا زمانك ياتتار‏!!‏
تألمت كثيرا مما رأيت من خراب وعدت أدراجي مهيض الجناح لمنفاي غاضبا جدا وحزينا جدا أكاد لا أصدق ما رأيت‏,‏ وآثرت أن أمطر هؤلاء العاقين حمما من الشعر مستصحبا كل تلك الآلام والجراحات الصادحات‏.‏ وكان غريبا وقع شعري علي أصدقائي‏,‏ فأنا لم أشتم أحدا في حياتي لكنني شتمت الحاكم الظالم وقلت له‏:‏
تبت يدا الحاكم
قد تبت يداه
إنه كالليل
والنوم أباه
سيفه الوالغ
ما أوسع مداه
من لم يمت بالسيف
أردته يداه.
إن الوطن عندي خط أحمر لا يدخله الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏,‏ هو خط مستقيم يمتد من مهدك إلي لحدك‏,‏ هو أمي وأبي وأختي وحبيبي ومصيري وزوالي وحضوري وغيابي فإن لم تكن خيرا كالأنبياء تجاه وطنك فأنت شاعر أو نبي كاذب‏,‏ والشعب هو الفيصل‏,‏ فكم من شعراء امتلكوا ناصية البيان ولكن ركلهم القراء وأداروا ظهورهم لهم‏.‏

لماذا يأخذك الوطن في كل أشعارك باكيا مرة ومغنيا له تارة أخري‏,‏ هل مهجركم البعيد بأمريكا الشمالية هو مبعث هذه الآلام العظيمة؟
لقد اتخذت لنفسي ركنا قصيا قبالة الشلالات‏(‏ نياجارا‏)‏ وعشت حياة المنفيين عن أوطانهم الذين لم ينسوا الوطن لحظة واحدة‏.‏ إن الوطن هو اسمي ما يمتلكه الإنسان‏,‏ فهو الأم الرءوم وهو الأب الرحيم وهو الصديق الوفي وهو الأرض والنيل والنخيل‏,* كلما تضيق بي الدنيا أنظر للوطن من خلال شاشة بانورامية عملاقة علي مشارف تلك الشلالات وأنظم أشعاري منها‏.‏ لقد أصدرت ثلاثة دواوين شعرية من تلة تطل علي الشلال وكأنني أنظر للنيل وهو يجري من جنوبه لشماله‏.‏
قلت ذات مرة وأنا منجذبك:
ما بين مسراي ومنفاي
رهنت قصيدتي
ونفشت قافيتي
علي رمل البكاء‏!‏
يا أيها الوطن الذي
ناجيته وبكيت
مثل النورس البحري
عند سمائه الزرقاء‏!‏
ونشرت أجنحتي
علي شفق
من الأحلام والبشري
وأغويت الرجاء‏!‏
وطن‏,‏ تحديت
المجرات البعيدة
وارتقيت إلي
صلاة العشق‏,‏
حدثت السماء‏!‏
ورسمت عند سمائه
طولي وعرضي
وائتماني
واقتفيت خطا الصلاة‏!‏
وحملت مسغبتي
علي خطوي
وطفت علي البسيطة
من أقاصي الثلج‏,‏
جملت المكان‏,‏
عزفت ألحاني
وأشعلت البكاء‏!‏
‏*(‏ مقاطع من قصيدة صلاة العشق‏).‏

الذين تناولوا بالنقد والدراسة أشعارك دائما يصورون بأنك شاعر الثورة القادمة وبأنك شاعر ثوري‏,‏ أليست لك أشعار عاطفية؟
لا أحب وسمي بشاعر الثورة أو بشاعر المرأة أو غيرهما فالتسميات تكبل الشاعر ولا يجعله قادرا علي نظم أشعاره بحرية وكما تعلمين فإن الشعر فضاء من الأحلام والرؤي والنبوءات‏.‏ نعم أقر بأنني أميل للشعر الثوري الحاد لأنني شعرت بأن الثورة تعتمل وتنقد في صدري نتيجة للمظالم التي يمر بها الانسان في كل عصر ومصر‏.‏ ثم إنني أود أن أوضح لقرائكم الأعزاء بأن الوطن عندي ليس محددا بقطر معين وإنما توصلت لقناعة تامة بأن الأرض الواسعة هذه هي أوطاني‏.‏ الوطن عندي متعدد والحاكم الظالم والجلاد والضحية ليسوا بالضرورة من السودان أو مصر أو غيرهما من الدول‏.‏ وقد هاجرت منذ نحو عقدين من الزمان لأمريكا الشمالية وعاشرت شعوبها وركلت عندهم كل موبقات العصبية والقبلية وصرت أميل كثيرا لمبدأ‏(‏ الإنسانية‏).‏

عندي أشعار عاطفية نظمتها في عدة مرات ولكنها ليست من دائرة اهتماماتي الآن فقد أخذتني الأحزان والأشجان بعيدا عنها‏.‏ لدي الآن أشعار تم تلحينها بواسطة الملحن الخليجي الكبير خليفة جمعان السويدي وهي عبارة عن أوبريت غنائي يتكون من‏12‏ لوحة شعرية وغنائية قمت بنظمها لبرنامج لكل ربيع زهرة الذي ترعاه سمو الشيخة موزة حرم أمير دولة قطر‏.‏ وهنالك ست فنانين من قطر ومصر والسودان يشاركون في هذا الأوبريت الضخم الذي سيتم تقديمه في فبراير‏2011‏ علي مسرح قطر الوطني‏.‏

*‏ كيف ينفعل الشاعر زمراوي بما يحدث لوطنه السودان من مظاهر تمزق وإنفصال ومستقبل مجهول لوحدة أراضيه‏,‏ هل نظمت أشعار للوطن؟
حزين لما يحدث لوطني من مآسي بالغة وصراع وتمزق‏.‏ ومبعث حزني هو أن الله قد وهبنا وطنا عظيما شاسعا مليئا بالخيرات وشعبا محبا فريدا‏,‏ إلا أن الساسة قد تكالبوا عليه تمزيقا وتفتيتا حتي إنشطر من الألام‏.‏
ليلي يكحل نجمه
صخب الشتاء‏!‏
فإذا النجوم تجاسرت
وتناثرت حولي
وأقبلت السماء‏,‏
وتهامست أجزاء قلبي
بالأنين وبعض
زفرات الرجاء‏,‏
ماتت فراشاتي الجزينة
حسرة وخبا الضياء‏...!‏
قلنا لكم
لا تتركوني للسباع
تهش عن جسدي
دؤابات الرجاء‏...!‏
قلنا لكم
قلبي علي وطن
تناثر حزنه
شرقا وغربا
والفراشات الجميلة
غبن في شفق العزاء‏...!‏
وما هو الخلاص في نظرك؟
ربما تسعفني هذه الأبيات‏:‏
علي أمشاط القدم اليسري
جاءتني البشري
جاءتني تتمايل كالأحلام‏!‏
قمري قد جد بحلته
وكذلك غمرتني الأنسام‏!‏
عبدت مسيري ذات ضحي
وجلست أداعب في الأنغام‏!‏
يا نور الحق متي غده؟
أقيام الليل علي الأحلام؟‏!‏
قد بت بجرح في الغرة
ورماني الذئب مع الأغنام‏!‏
أعياني الوالي ذو الفاقة
ففقدت بريق الأيام‏!‏
وقضيت العمر علي الناقة
ورقصت الفجر مع الأصنام‏!‏
يا ليل الوالي ذي الحاقة
أعياني الخوف من الأزلام‏!‏
ورماني الليل بكلكله
فهجرت الشعر مع الأحلام‏!‏
يا نور الحق متي غده؟
وطني‏...‏
وطني قد بات من الأيتام‏!‏

ماذا كتبت أخيرا والوطن يمر بأزمته الحالية؟
كتبت‏(‏ دمعتان علي الوطن‏)‏ قلت فيها‏:‏
‏(1)‏
وجعي هنا‏...‏
وطني هناك
بدمعه المسفوح
كحل مهجتي
شنفا وعار‏!‏
وجعي هنا‏...‏
فلتسفحي فوق الجراح
دموع عسجد كي أري‏...‏
عصفورتين‏,‏
وأيكتين‏,‏
وجلنار‏!‏
وجعي هناك
كدمعتين تشظتا
فوق الجبين وحطتا
ما بين أنفاسي
وأحداق النهار‏!‏
وجعي هنا وطن‏,‏
مشيت علي خطاه‏,‏
رسمت خطوي رائعا‏:‏
أرجوحتين وشمعتين
علي فنار‏!‏
شمع من اللهب المرفرف
في جبين الليل‏,‏
ناقوس ونار‏!‏
شمع من اللهف المشرشف
كانبساط الريح
دندنة الكنار‏!‏
‏(2)‏
هذه الصحراء مني
لم تزل آثار أقدامي
علي الرمل إخضرار‏!‏
هذه الصحراء مني
لم تزل أمي‏,‏
وجدي لم يزل يروي
حكايات الصغار‏!‏
هذه الصحراء مني
أرضعتني ثديها الغاضب
إعصارا ونار‏!‏
هذه الصحراء مني
أرضعتني ثديها الحالم
إكليل الفخار‏!‏
هذه الصحراء مني
لم يزل قصري علي
النيل مزار‏!‏
‏(3)‏
وجعي هنا‏...‏
دقي طبول الموت‏..‏
صبي دمعتين
علي التتار‏!‏
وجعي هنا‏...‏
دقي نحاس البوق
كي يحيا النشيد
ونشتعل
لهبا ونار‏!‏
وجعي هنا‏...‏
دمعي ودمعك
دمعتان علي المدار‏!‏
وجعي هنا‏...‏
وطني هناك
بدمعه المسفوح
كحل مهجتي
شنفا وعار‏!‏

*‏ أستاذ زمراوي ألا تزال تراهن علي الشعر بوصفه حافزا يمتلك القدرة علي الحض والتحريك؟
قلنا لكم لا تتركوني
للسباع تهش
عن جسدي
دؤابات الرجاء‏...!‏
قلنا لكم قلبي
علي وطن
تناثر حزنه
شرقا وغربا
والفراشات الجميلة
غبن في شفق العزاء‏...!‏
نعم مازلت مؤمنا يقينا بأن الشعر هو أعلي أدوات المقاومة‏,‏ لم يمت الشعر بعد‏,‏ وإن ترنح قليلا‏.‏ ويجب أن يكون الشاعر الحقيقي متحفزا دوما ومتقدما دائما أمته ليري لها بعيني زرقاء اليمامة ما لا يراه الغير‏.‏ ثم إن الشعر مازال مدهشا في امتلاكه لقدرة التجييش وسوق الناس نحو مرافئ الحق والخير والجمال‏.‏

*‏ لطالما بشرنا الشعر وشعرك في خضمه بعوالم جميلة تنتصر فيها إرادة الشعوب وتعلو فيها كلمتها؟
مازال السجال قائما ما بين قوي الخير والشر في السودان الجريح وفي غيره من الأقطار وقد صارت الغلبة للأسف‏,‏ مؤقتا‏,‏ للأشرار‏,‏ لكنني أتنبأ صادقا وجازما بأن ليالي الطغاة قصيرة وأن أيامهم معدودة وسوف ينبثق الفجر الصادق قريبا‏.‏
يا وطني لا تحزن فالفجر
أراه يدفع لي الأبواب السمراء‏!‏
لا تحزن يا نبع الثوار
فالثورة حين تفاجئنا
كالبرق الخاطف‏
تأكلهم كالنار الحمراء‏!‏
وتحصد أبناء الغول
وتسحق أحفاد العنقاء‏!‏
الثورة آتية لا ريب‏.‏
صدقني يا وطن الشرفاء‏!‏

‏*‏ إلي أي حد أنت مشغول بحفظ ذاكرتك الشعرية أستاذ زمراوي‏,‏ وما الذي ستختاره للبقاء منها إن كان لابد من الاختيار؟
الذاكرة الشعرية للشاعر هي مخزونه الفكري والإبداعي‏.‏ يجب علي الشاعر ألا ينظر للأمور نظرة آنية أو سطحية أو ربحية‏,‏ كأن ينظم شعرا ليبيعه للناس‏.‏ فالشعر لا يشتري والشعر لا يباع‏.‏ الشعر الحقيقي هو الباقي بعد رحيل شاعره‏,‏ قويا يصارع بمعناه ومبناه قوي الشر والظلم والاضطهاد والقمع في كل العصور‏.‏ ثم إن الشعر الذي لا يخاطب الناس في كل مصر ومصر غير جدير بحفظه في الذاكرة الجمعية للقراء‏,‏ والشاعر منه باعتباره أول القارئين لما ينظمه من شعر‏.‏ فإذا دبجت الآن قصيدة المديح العالي في أي حاكم‏,‏ مهما كان‏,‏ فقطعا لن تخلد تلك القصيدة في الذاكرة الجمعية ولن تستقر مثلما تستقر القصائد التي تحض علي التمرد والثورة والانعتاق من ربق العبودية والذل والقهر والهوان‏.‏ الناس يحتفون بالحق والخير والجمال في الإطار الإنساني وهذا ما أسعي إليه دوما وأتمناه‏.‏ كما أنه ليس ضروريا أن يحتفي الناس بأشعارك وأنت علي قيد الحياة وإنما الأروع أن تأتي أجيال أخري بعد مئات السنين ليستذكرها ويرددها‏.‏ وبهذه المعاني سأختار كل ما كتبت من أشعار علها تضعني بين من وضعهم التاريخ في أسفاره وحقائبه‏.